أخبار ومتابعات

د. فايد محمد سعيد يكتب : سلسلة: حج لا يعود كما بدأ: القيم التي يجب أن تولد فيك (٢) التجرد: حين تخلع نفسك قبل ثيابك

 

ليست أعظم لحظات الحج حين يلبس الإنسان ثوبي الإحرام، بل حين يبدأ في خلع الأشياء التي التصقت بروحه سنوات طويلة. فالإحرام ليس مجرد انتقال من لباس إلى لباس، بل انتقال من صورة الإنسان إلى حقيقته. كم من حاجٍّ خلع ثيابه، لكنه حمل معه كبرياءه وقلقه وتعلقه وحاجته الدائمة إلى أن يكون مميزًا بين الناس. وكم من إنسان دخل الحرم بثياب بسيطة، لكنه بقي أسير ذاته القديمة. إن المشكلة ليست في أن تلبس الإحرام، بل في أن تبقى كما أنت.

حين يقف الملايين في لباس واحد، لا تكاد تميز بين غني وفقير، أو وزير وعامل، أو مشهور ومجهول، تتجلى رسالة عظيمة من رسائل الحج: أن الإنسان قبل كل شيء عبد لله. قطعتان من القماش الأبيض تختصران فلسفة كاملة في الحياة؛ لا أوسمة، ولا ألقاب، ولا مظاهر، ولا زينة. وكأن الحج يقول للإنسان: كل ما كنت تظنه تعريفك الحقيقي ليس أنت.

في عالم أصبح فيه الإنسان يُقاس بما يملك، وبما يعرض، وبعدد المتابعين والمعجبين، يأتي الإحرام ليعيد تعريف الإنسان من جديد. فقيمتك ليست فيما تلبس، بل فيما تحمل في قلبك.

السؤال الحقيقي في الإحرام ليس: ماذا ارتديت؟ بل: ماذا نزعت عن روحك؟ هل نزعت الكِبر، والشعور بالتفوق، والتعلق المرهق بصورة الناس عنك، والحاجة الدائمة إلى التقدير، والمقارنة التي تستنزف القلب؟ أم أنك دخلت الإحرام وكل ذلك ما زال معك، ولكن بصورة غير مرئية؟ فبعض الناس يخلعون الثياب، لكنهم لا يخلعون أنفسهم.

الحج يوحّد المظهر، لكنه لا يوحّد القلوب. قد يقف شخصان في الصف نفسه، باللباس نفسه، يرددان التلبية نفسها، لكن الفرق بينهما أبعد من المسافات. أحدهما دخل خفيفًا، متجردًا، صادقًا مع الله، والآخر دخل محمّلًا بأثقال نفسه وصراعاتها وحاجتها المستمرة إلى الظهور. الأول يشعر بالسكينة، والثاني يظل متعبًا حتى في أطهر الأماكن، لأن التجرد الحقيقي ليس في الثوب، بل في الداخل.

وفي حياتنا اليومية نعيش خلف طبقات كثيرة من الأقنعة؛ قناع القوة، وقناع النجاح، وقناع المثالية، وقناع الصورة التي نريد للناس أن يروها. لكن الحج يضع الإنسان أمام نفسه مجردًا من كل ذلك. هناك، وسط الملايين، يكتشف الإنسان حقيقة عجيبة: أنه ليس بحاجة إلى كل هذا التمثيل ليكون مقبولًا عند الله. في الحج لا يهم من كنت، بل من أصبحت.

ومن أصعب ما يواجهه الإنسان في الحج أن يعيش دون تعريفاته المعتادة. لا أحد يعرف منصبك، ولا أحد يعرف حسابك البنكي، ولا أحد ينتظر منك استعراضًا، ولا أحد يراك “الشخص المهم”. وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي: هل تستطيع أن تكون مرتاحًا وأنت مجرد إنسان بين الناس؟ كثيرون يتعبهم هذا أكثر مما يتعبهم السفر نفسه، لأن النفس أحيانًا لا تتعلق بالأشياء فقط، بل تتعلق بفكرة أنها “مهمة”.

وحين يتجرد الإنسان بصدق، يشعر بخفة لم يعرفها من قبل. ليس لأنه فقد شيئًا، بل لأنه تحرر مما كان يحمله فوق قلبه سنوات طويلة. يتحرر من المقارنة، والمنافسة، والاستعراض، والقلق من نظرة الناس، فتصبح العلاقة بينه وبين الله أكثر صفاءً وهدوءًا. ولهذا كان الحج مدرسة عظيمة لإعادة بناء الإنسان من الداخل، لا مجرد رحلة تؤدى فيها المناسك.

وهناك سؤال ينبغي أن يسأله كل حاج لنفسه: ما الشيء الذي أخاف فقده أكثر من غيره؟ لأن ما تخاف فقده بشدة هو غالبًا أكثر ما تتعلق به روحك، والتجرد الحقيقي يبدأ حين يعرف الإنسان قيوده الخفية.

الحج ليس أيامًا تنتهي، بل أثر ينبغي أن يبقى. فالمشكلة ليست في أن يخلع الإنسان ثياب الإحرام بعد الحج، فهذا أمر طبيعي، لكن المشكلة أن يعود فيلبس من جديد كبرياءه القديم، وتعلقه المرهق بالدنيا، وصورته المصطنعة أمام الناس. فالحج الناجح ليس الذي يغيّر مظهرك أيامًا، بل الذي يخفف عن قلبك أثقالًا كانت تسكنه سنوات.

الإحرام ليس أن تلبس الأبيض فقط، بل أن تصل إلى قلب لا يحتاج إلى كثير زينة ليكون قريبًا من الله. وفي النهاية، ليس المطلوب أن يصبح الإنسان كامل التجرد دفعة واحدة، فهذه رحلة عمر، لكن يكفي أن يبدأ، وأن يخلع شيئًا واحدًا بصدق؛ كِبرًا قديمًا، أو تعلقًا متعبًا، أو خوفًا من الناس، أو حاجة دائمة إلى التصفيق. فربما كانت بداية القرب من الله أن يعود الإنسان أخف مما جاء.

زر الذهاب إلى الأعلى