د.خالد غانم يكتب: وسام السيدة فاطمة البتول(1)
لم تفز سدة في التاريخ – كما في مبلغ علمنا – بحياة حافلة جمعت بين مآثر البنوة وفضائل الأمومة ومكانة الدنيا وخفايا المنازل في الآخرة كما حازت بطلة قصتنا، كما لم تفز امرأة في التاريخ بألقاب جمعت بين نقاء السيرة وصفاء السريرة وحسن التحمل مثلما فازت الريحانة الزهراء فاطمة
بنت سيد الخلق رسول الله –صلى الله عليه وسلم
لُقِّبَت السيدة (فاطمة) بـِِِِِ (الزهراء)، والزهراء هي مؤنث الأزهر،
ولقبت بالحوراء الآدمية لصفائية الإيمان وإشعاعه في وجهها وكلامها ،
ولقبت بأم الأئمة: ذكر أبو الفرج الأصفهاني : “وكانت أول هاشمية تزوجها هاشمي وهي أم سائر ولد أبي طالب .. “. [الأغاني]
وهي ريحانة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأقرب الناس إلى عقله وقلبه، كما أخبرتنا أم المؤمنين عائشة، رضي الله عنه، حيث قالت: “ما رأيت أحداً أفضل من فاطمة غير أبيها” .
ولقبت بأم أبيها فإذا كانت السيدة خديجة الدرع الداعم للرسول معنويا فقد سلكت السيدة فاطمة نفس المنهاج كما فعلت والدتها خديجة، وكانت الصدر الحنون لرسول الله بعد وفاة السيدة خديجة
قال الذهبي رحمه الله تعالى:
“فاطمة رضي الله عنها. وهي سيدة نساء هذه الأمة.
كنيتها، فيما بلغنا: أم أبيها.” انتهى من “تاريخ الإسلام” (2 / 29).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
“فاطمة الزّهراء بنت إمام المتقين رسول اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب بن هاشم، الهاشميّة، صلّى اللَّه على أبيها وآله وسلّم ورضي عنها.
كانت تكنى أمَّ أبيها.” انتهى من “الإصابة” (14 / 87).
ولُقبت أيضًا بـِِِِِ (البتول)، والبتول من النساء أي المنقطعة عن الرجال لا أضرَاب لها فيهم، والبتول في حالة السيدة (فاطمة)، أي المنقطعة إلى الله –عز وجل –عن الدنيا، فقد اقتبست من خلق أبيها الرسول وصفة أمها السيدة خديجة، فجمعت بين الحسنيين
كانت (الزهراء) تشبه أباها في هيئته ومظهره وهديه وسمته وسكينته ووقاره وحديثه وكلامه ومشيته وجلسته، روى مَعْمر عن (الزهري)، قال: أخبرني (أنس بن مالك)، قال: “لم يكن أحدٌ أشبه برسول الله – صلى الله عليه وسلم – من (الحسن بن علي) و (فاطمة)”. وعن أم المؤمنين (عائشة) – رضي الله عنها – قالت: “(ما رأيتُ أحدًا كانَ أشبَه سمتًا وَهديًا ودلًّا برسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ من فاطمةَ كانت إذا دخلت عليهِ قامَ إليها فأخذَ بيدِها وقبَّلَها وأجلسَها في مجلسِه وَكانَ إذا دخلَ عليها قامت فأخذت بيدِه فقبَّلتهُ وأجلستهُ في مجلسِها) (سنن أبي داود)
وتزوجت (الزهراء) بابن عمها (علي بن أبي طالب)، وأنجبت منه ثلاثة ذكور هم (الحسن) و(الحسين) و(محسن)، وبنتين هما (أم كلثوم) و(زينب)
ونالت السيدة فاطمة وساما في الدنيا كبشرى من الرسول الكريم وإخبار عن مقعد صدق عند مليك مقتدر فعن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ :
( خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ ، قَالَ : تَدْرُونَ مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ : خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ ، وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أَجْمَعِينَ )
( أحمد – المسند – (4/409)
وبطريق الحصر ورد في السنة حديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
( حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ : مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ )( الترمذي – /3878)
فهي الطاهرة التي نشأت بين أحضان أفضل أبوة، وأفضل أمومة، تأخذ عن أبيها أكرم المكارم، وعن أمها العقل الذي لا يُوزن به عقل إمرأة ؛ لتكون سيدة رائدة في سماء المسئولية وسوف نقلب صفحات المعرفة لاقتطاف هذه الباقة في حلقة مقبلة .










