د. فايد محمد سعيد يكتب: قراءة في فلسفة العجز الإنساني ومنطق الفرج الإلهي في قصص القرآن الكريم (١)
مقالات للرأي

هذه المقالة ليست افتتاحية لسلسلة قصصية فحسب، بل تأسيسٌ لمنهج نستشفه من القرآن، ليعلّم الإنسان كيف يرى العالم حين يضيق، وكيف يقرأ العجز حين يشتدّ، وكيف يلتفت إلى الله حين تنطفئ كل الأسباب من حوله.
إنها محاولة لبيان أن قصص القرآن ليست للتسلية والتسرية عن الرسول صلى الله عليه وسلم فحسب، ولا للتاريخ، ولا للحكاية… بل هي مع ذلك طريقة تفكير.
طريقةٌ تُبنى بها النفوس، ويُعاد تشكيل وعي الإنسان تجاه نفسه وتجاه الكون، فتتحوّل الأزمة إلى درس، واليأس إلى رجاء، والعجز إلى باب من أبواب القدرة الإلهية.
١. القرآن الكريم… من الحكاية إلى “منهج التفكير”
اعتدنا في ثقافتنا أن تُروى القصص للمتعة، أو للموعظة السريعة، أو للتسلية، أو لملء الوقت. لكن القرآن الكريم جاء بنمطٍ مختلف تمامًا من القصص.
إنه لا يقصّ لكي نعرف الحدث فحسب؛ بل لكي نصنع من الحدث موقفًا.
لا يروي لكي نشبع فضولنا؛ بل لكي نرتقي بإدراكنا.
لا يحكي ليمرّ الوقت؛ بل ليموت الوهم ويولد اليقين.
ولهذا لم يقل ربنا سبحانه وتعالى إنه يذكر لنا القصص، بل قال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾
والقصّ في اللغة ليس مجرد رواية، بل هو المتابعة الدقيقة للأثر خطوةً خطوة.
أي أن القرآن لا يعطينا الحدث مفصولًا عن الحكمة، بل يضعنا داخل اللحظة بكل أبعادها النفسية والروحية والإنسانية.
إنه منهج لفهم النفس حين تضطرب، ولتفسير الواقع حين يُغلق، ولرؤية المستقبل عندما يبدو بلا مخرج.
٢. لماذا نكتب اليوم عن “الحل المستحيل”؟
في زمننا هذا، يعيش الإنسان تحت ضغط الأسباب:
– يحسب ألف حساب للوظيفة،
– يقلق على الرزق،
– يخشى المرض،
– يتوتر من العلاقات،
– يحاول السيطرة على كل شيء.
ومع ذلك، تأتي اللحظات التي تنكسر فيها كل الأسباب، ويجد الإنسان نفسه بلا حول، كأنه يقف أمام جدار لا باب فيه.
وهنا يظهر سؤال عميق:
ماذا يفعل الإنسان حين ينفد كل شيء… إلا الله؟
في تلك اللحظات، يتجلّى سرٌّ قرآني عظيم:
أن الحلّ الحقيقي يبدأ حين تنتهي الأسباب.
وأن الطريق يُفتح حين يُغلق.
وأن الفرج قد يُصنع من المستحيل، لا من الممكن.
هذه ليست تأملات عاطفية، بل حقائق جعلها الله سنّة في قصص أنبيائه.
ولذلك قال سبحانه وتعالى لرسوله: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾
أي: عندما تعجز أنت، فانظر كيف تصرّف الأنبياء… ثم اقتدِ بهم.
وهذا هو الهدف من السلسلة.
٣. الأنبياء… نماذج عليا لفلسفة التوكل والاعتماد على الله
فقصص الأنبياء في القرآن لا تُروى لتاريخيتها فحسب، بل تُروى كذلك لأن فيها مواقف ذروة، يصل فيها الإنسان إلى الحافة، إلى لحظة الانهيار الكامل… ثم تحدث الاستجابة الإلهية التي تغيّر كل شيء.
في هذه السلسلة، سنقرأ خمس لحظات عظيمة، هي من أروع وأعمق ما يُجسّد معنى “الحل المستحيل”:
أولًا: موسى عليه السلام… الخروج إلى مدين
شاب يخرج من مصر خائفًا، يترقب، بلا مال، بلا أهل، بلا مأوى.
يدخل مدين غريبًا، يجلس تحت ظل شجرة، يختصر كل ضعفه في كلمة واحدة:
﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
فيأتيه رزق، وزواج، وأمان، ثم رسالة.
هل هذا يحدث بالمنطق؟ أم بإرادة الله؟
ثانيًا: موسى عليه السلام… بين البحر وفرعون
أمام البحر، خلفه جيشٌ مدجج بالسلاح.
قومه يصرخون: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾
لكن موسى يقول: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾
وهنا يشقّ الله البحر نصفين، وتبدأ قصة المستحيل التي يتحدّى بها القرآن التاريخ.
ثالثًا: هاجر عليها السلام… الماء الذي خرج من قلب الصحراء
وحدها مع طفل في وادٍ غير ذي زرع.
لا بشر، لا ماء، لا مظلة، لا أسباب.
لكن السعي بين الصفا والمروة يفتح باب الفرج.
فينفجر زمزم، لا كنقطة ماء، بل كمعجزة أبدية، ما زال العالم يشرب منها إلى اليوم.
ويسكن أهل جُرهم عندها، ويبدأ العمران الأول حول البيت الحرام.
رابعًا: إبراهيم وسارة عليهما السلام… ولادة خارج قوانين الطبيعة
شيخ كبير، وزوجة عاقر تجاوزت سن الإنجاب بكثير.
ومع ذلك تأتي البشارة:
﴿يَا سَارَةُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِغُلَامٍ﴾
فتتعجب: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾
فيأتي الرد الإلهي الخالد:
﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾
خامسًا: زكريا عليه السلام… رجاء من قلب الشيخوخة زكريا يدخل على مريم فيجد فاكهة الشتاء في الصيف، والصيف في الشتاء.
يُدهشه المشهد، فيسأل: أنّى لكِ هذا؟
فتقول: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾
هنا انفتح الباب في قلب النبي الشيخ، فدعا بدعاء المستحيل:
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾
فيأتيه الجواب مباشرة:
﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ﴾
٤. ما المشترك بين هذه القصص؟
عندما نتأمل هذه النماذج الخمسة، نجد أن عناصرها مشتركة بشكل مذهل:
١. العجز التام لا سبيل، لا حل، لا باب. الفقر، الخوف، العمر، العقم، العدو، الصحراء…
كلها عوامل تصرخ: مستحيل.
٢. السقوط الكامل للأسباب
ولا شيء يقف مع الإنسان إلا الله.
وهنا نرى لحظة الافتقار الحقيقية:
“يا رب، لا حول لي ولا قوة.”
٣. التدخّل الإلهي المباشر
ليس عبر الأسباب، بل عبر تعليق الأسباب.
فيأتي الحل من جهة لا تخطر على بال البشر.
٤. أن الفرج يأتي في لحظة الانكسار لا في لحظة القوة
كأن القرآن يعلّمنا:
أن أسباب السماء غير أسباب الأرض.
وأن الحكمة أوسع من منطق البشر.
وأن المستحيل هو المادة الخام للقدرة الإلهية.
٥. ماذا نقصد بقولنا “الحل المستحيل”؟
نقصد أن الحل في القرآن لا يُقاس على منطقنا، وإنما على قدرة الله.
فإذا نفدت الأسباب، بقي “مسبب الأسباب”، وإذا أُغلقت الأبواب، بقي “ربّ الأبواب”.
نقصد أن الله قد يعطّل الأسباب لتظهر القدرة، ويوقف المنطق لتُعلن المشيئة، ويُغلق الطرق لتُفتح طرق غير مألوفة.
نقصد أن الإنسان حين يتوكل توكلًا صحيحًا، تُعاد هندسة الواقع من حوله.
نقصد أن المستحيل ليس وصفًا لما لا يمكن تحقيقه، بل هو وصف لشيء لم يُقدِّر الله له أن يتمّ بعد.
٦. لماذا يحتاج المسلم اليوم لهذا المنهج؟
لأن أزمات العصر تضغط على الإنسان من كل جانب:
أزمات اقتصادية، صحية، أسرية، نفسية، مجتمعية، سياسية…
ولكن القرآن لا يترك الإنسان ليغرق في العجز، بل يعلّمه:
كيف ينظر.
كيف يهدأ.
كيف يتوكل.
كيف ينهض.
وكيف يبحث عن الله في قلب الأزمة، لا في نهايتها فقط.
هذه السلسلة جاءت لتعيد للإنسان هذا المعنى:
أن أقرب طريق للفرج هو أن تقول بصدق: يا رب.
٧. من هنا تبدأ السلسلة…
نبدأها مع موسى عليه السلام في ظلال مدين، ومع البحر حين ينفلق، ومع زمزم حين ينفجر، ومع إبراهيم وسارة حين تأتي البشارة، ومع زكريا حين يولد الرجاء من قلب اليأس.
كل قصة منها تقول لك:
“حين يتعطل الممكن… يبدأ عمل ربّ الممكن.”
وكل قصة منها تضع أمامك سؤالًا:
هل جربت أن تسلّم لله تسليمًا كاملًا؟







