د زياد عبد التواب يكتب: الذكاء الاصطناعي والمسؤولية المجتمعية للشركات…ما الجديد الذي يقدمه؟
مقالات للرأي

منذ سنتين تحدثنا في مقال سابق بمناسبة مرور 100 عام بالتمام والكمال على ظهور مصطلح المسؤولية المجتمعية بواسطة اوليفر شيلدون وحاولنا الإشارة في هذا المقال الى إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات من اجل المزيد من كفاءة التخطيط والاستهداف والتوظيف لميزانيات المسؤولية المجتمعية للشركات بصورة أفضل، وخلال العاميين التاليين وجدنا نموا كبيرا للعلاقة بين الخوارزميات وملفات المسؤولية المجتمعية داخل الشركات. علاقة لم تكن مطروحة أصلًا منذ سنوات قليلة، حين كان الذكاء الاصطناعي يُقدَّم لنا بوصفه أداة لتحقيق أقصى كفاءة وربح ممكنين من خلال التحليل العميق للبيانات كما سبق القول، أما اليوم، فثمة أسئلة جديدة تفرض نفسها: كيف يمكن لهذه التقنيات أن تُسهم في تحسين حياة الناس؟ هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح شريكًا في العدالة الاجتماعية والبيئية؟ وهل يمكن للشركات أن تستخدمه لا فقط لتحسين نتائجها المالية، بل أيضًا لتعميق أثرها الإيجابي في محيطها؟
الإجابة المختصرة: نعم، ولكن بشرط أن تعرف الشركات لماذا تستخدم الذكاء الاصطناعي، لا فقط كيف تستخدمه، فالأمر يبدأ غالبًا من الرغبة في تحسين الكفاءة. شركة ترغب في تقليل استهلاك الطاقة، فتستخدم نظمًا ذكية لتحليل أوقات الذروة وتعطيل الأجهزة غير الضرورية تلقائيًا، او مؤسسة تعمل في قطاع النقل، فتستعين بتحليلات التتبع لتقليص انبعاثاتها الكربونية عبر تحسين المسارات وتوزيع الاحمال.، قد يبدو الأمر في البداية مسألة تشغيلية بحتة، لكنه يتحول بمرور الوقت إلى نهج دائم.
فهنا لم تعد الأرقام وحدها هي ما يُقاس، بل الأثر أيضًا.
اما في مجال المسؤولية المجتمعية والذي بدا في الماضي وتم اختزاله وتصورهفي أنشطة بسيطة مثل توزيع اغطية ثقيلة في الشتاء، أو التبرع لمؤسسة خيرية، أو زراعة بعض الأشجار أمام مقر الشركة. لكن الذكاء الاصطناعي أتاح نقلة نوعية تتسم بالتوجيه الذكي، على سبيل المثال، يمكن للشركات الكبرى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات مجتمعية ضخمة – من مؤشرات الفقر والتعليم والصحة – لتحديد الفئات الأكثر احتياجًا بدقة، واختيار نوع المبادرة الأنسب، وتحديد المكان والتوقيت بعين الخبير لا بعين المتبرع العشوائي.
على سبيل المثال تصوّر شركة تسعى إلى تحسين مهارات الشباب في منطقة مهمشة فبدلاً من تنظيم ورش عامة بلا هدف، يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل بيانات سوق العمل في تلك المنطقة، وربطها بمؤهلات الشباب، ليقترح نوعية التدريب الأكثر طلبًا، وربما حتى يرشح أسماء المستفيدين. هذا ليس امرا مستحيلا او صعبا فهذه أدوات موجودة، تنتظر فقط من يستخدمها.
أيضا من الاستخدامات اللافتة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال المسؤولية المجتمعية هو تحسين وصول ذوي الإعاقة إلى الخدمات، فلم يعد من المقبول أن يُستبعد شخص من فرصة عمل أو الحصول على خدمة حكومية لمجرد أنه لا يسمع أو لا يتحرك بسهولة، فتقنيات تحويل الصوت إلى نص، أو قراءة الشاشة، أو تحليل الصور – كلها باتت متاحة وسهلة الدمج في تطبيقات الشركات. لكن الفارق بين من يستخدمها لفتح أبواب جديدة، ومن يتحدث عنها فقط، هو ما يُحدث الفرق الحقيقي بين مسؤولية تُمارس ومسؤولية تُعلن فقط.
وبكن لا يمكن إنكار أن بعض الشركات بدأت تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كما كانت تتعامل مع شعارات المسؤولية المجتمعية: وسيلة للعلاقات العامة أكثر من كونها قناعة. تكتب على موقعها “نستخدم الذكاء الاصطناعي لخدمة المجتمع” بينما تعمل بنفس الأساليب اليدوية التقليدية القديمة، فالمسؤولية المجتمعية الحقيقية لا تُقاس بعدد الكلمات على الورق، بل بمدى قدرة الشركة على تحسين حياة من حولها بصورة حقيقية وفعالة.
ولذلك بدأ يظهر توجه جديد في الأوساط الغربية AI-Based-CSR، أيالمسؤولية المجتمعية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وهو توجه يدعو الشركات إلى دمج قدرات الذكاء الاصطناعي في صميم استراتيجيات المسؤولية المجتمعية، لا فقط على هوامشها.، حيث يمكنها من ان تضع أهدافًا مجتمعية يمكن قياسها وتتبعها آليًا، وتستخدم أدوات الذكاء لتقييم الأثر، وتعدّل تدخلاتها بناءً على التحليل المستمر. هنا لا نكون أمام مبادرات وقتية، بل أمام سياسات مستدامة، تُدار كما تُدار المشاريع الكبرى، بالكفاءة والانضباط والقياس والمراجعة. يبقى أن نذكّر أنفسنا بحقيقة بسيطة فالخوارزميات لا تحمل ضميرًا، لكنها تعكس ضمير من يستخدمها، فالذكاء الاصطناعي ليس فاعلًا مستقلًا، بل أداة بيد الإنسان يطوعها كيف يشاء.







