
في الماضي كان الجهل مصيبة. أما في زماننا، فالمصيبة الأكبر اسمها، نصفالعلم. نعم، فقد صار عندنا صنفا جديدا من الكائنات الفكرية الهجينة: لا هو جاهل فيُعلَّم، ولا هو عالم فيُحترم، بل يقف في المنتصف كالساعة الرملية المقلوبة، يصب من الجهل على المعرفة فيفسدها، ومن المعرفة على الجهل فيُضلله.
أنصاف المتعلمين هم أولئك الذين قرأوا عنوان كتاب فأفتوا، شاهدوا فيديو لدقيقتين فحللوا، سمعوا مصطلحًا أجنبيًا فشخّصوا. وإذا ما استوقفهم أحد العقلاء ليسأل عن المصدر، أخرجوا له مقطعًا من “تيك توك” أو منشور من “جروب الأسر المنتجة للوعي الكوني“. وللأسف فهم لا يعرفون أنهم لا يعرفون، وتلك مصيبة. فهم لا يشكّون في قدراتهم التحليلية، ولا يترددون في الافتاء بكل ثقة، كأنهم خريجو “جامعة جوجل المفتوحة” مع تخصص دقيق في “الهري التخصصي متعدد التوجهات“.
وقديمًا، كان الجاهل يُشفق عليه الناس اما الآن فنصف المتعلم يُرعبهم. لأنه مزود بثقة لا تليق بمحتواه، وبمنصّة تمنحه جمهورًا، وبمظهر يوحي بالاطلاع، وبعبارات مثل “حسب دراسات حديثة”، أو “في كتاب شهير قريته زمان”، دون أن نعلم أين هذا الزمان، وما هو هذا الكتاب، ولا ما اسم هذه الدراسات وهو عادة ما يبدأ حواره بمصطلحات فخمة من عينة “بيد ان” او ” مما لا شك فيه”. وستكون كارثة الكوارث ان حاولت ان تناقشه، فهو مستعد للموت دفاعًا عن قناعته، تلك التي كوّنها بالأمس، بناءً على بوست عابر من صفحة اسمها “اعرف معلوماتك وشير عشان تفيد غيرك”. يناقشك في الطب وهو لم يكمل قراءة نشرة دواء الاسهال، يُفتي في القانون وهو لا يفرق بين “القانون” و”اللائحة التنفيذية “، يشرح لك علم الطاقة وهو لا يعرف الفرق بين “الالكترون” و”الحلزون”.
الكارثة الكبرى أن شبكة الإنترنت بتطبيقاتها المتعددة صارت حاضنة لهم. فهيلا تميّز بين العلمي والعبثي، بين الموثّق والمفبرك. أضف إلى ذلك أن خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي التي لا تحتفى بالصواب، بل تشجع التفاعل. فتجدأي عينة عشوائية من نصف المتعلم هذا، يصرخ وينشر الهراء يُكافَأ بعشرات الالاف من المتابعين، بينما الباحث الرصين يقوم بالإعجاب بمنشوراته الشخصية بغية المساهمة في انتشارها.
للأسف تحوّلت مواقع التواصل الاجتماعي إلى “مهرجان للكتابة“؛ كل من هبّ ودبّ يكتب ما يشاء، ويناقش في أدق تخصصات الطب النووى، حتى لو كانت خلفيته العلمية لا تتجاوز شهادة تقدير من حصة العلوم للصف الرابع الابتدائي.
هذه كانت الكارثة ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليزيد الطين بلة، فصار نصف المتعلم يستخدم أدوات تقنية معقدة، ليخرج علينا بمحتوى يبدو محكمًا ومرتبًا ومنسقًا، لكنه يحمل نفس “الفَتي” القديم، ولكن بلغة جديدة أكثر خداعًاوتضليلا ليس على مستوى الكتابة فقط بل من خلال تقنيات التزييف العميق للصور والاصوات والمقاطع المصورة أيضا.
وهنا، تصبح الطامة أكبر، فكيف نفرق بين المتخصص والمتقمّص؟ بين من تعبواجتهد في طلب العلم، ومن حصل عليه عبر “القص واللزق“، فالواقع اليوم سمح للسطحية ان تبدو مقنعة، والعمق مثيرًا للشك، فنصف المتعلم لا يعرف أنه نصف، لأنه يعتقد أنه مكتمل. ولأنه يرى الجاهل تحته، فانه يكتفى بالنظر اليه ولا يكلف نفسه عناء النظر لمن هو فوقه، فهو لا يقارن نفسه بعالم أو متخصص، بل يقارن نفسه بجاره الذي يعتقد ان كائنات فضائية هبطت الى الأرض لبناء اهرامات الجيزة ثم رحلت.
والحقيقة ان المجتمعات لا تتأثر بكثرة الجهلاء لقدر انتشار انصاف المتعلمينفهؤلاء هم من يحرّفون النقاشات، ويُسمّمون العقول، ويتبعهم الكثير من البشر الذين لا يعرفون حقيقتهم ولا يستطيعون كشف هذا الجهل المغلف/ ف الجاهل يمكن تعليمه، أما نصف المتعلم فلا علاج له إلا بالتجاهل، والعزل الفكري، والاحتواء الهادئ لمن يضللهم. أما أن نتصدى له بنفس أدواته، فسننجرف إلى ملعبه حيث لا نتيجة ولا اتفاق.









