مقالات الرأى

د زياد عبد التواب يكتب: المسؤولية المجتمعية …كيف يستفيد الجميع؟

مقالات للرأي

دائما ما كنت أتساءل عن الأسباب التي تدفع كبرى الشركات العالمية والتي تتسابق في تسويق منتجاتها وخدماتها وتحقيق المزيد من الأرباح لأن تتوقف قليلًا لتزرع شجرة في ريف ناءٍ، أو تبني فصلًا دراسيًا في قرية لا يعرف أحد موقعها على الخريطة؟ ما الذي يجعلها تختار، طواعية، أن تنفق مليارات الدولارات سنويًا على مشاريع لا تدر ربحًا مباشرًا في تقاريرها المالية، لكنها تترك أثرًا في حياة إنسان ما، في مكان ما؟ هل هو عبء أخلاقي؟ أم ذكاء استراتيجي؟ ام اننا بصدد تحوّل في تعريف الربح نفسه؟

تشير استطلاعات الرأي العالمية ان حوالى 76% من الشركات و المؤسسات ترى ان المسؤولية المجتمعية تساهم في تحسين صورتها وسمعتها لدى العملاء وبين الشركات الأخرى، كما ان حوالى 83% من العاملين بالشركات مقتنعين بقيمة هذا المفهوم وقد يكون غيابه او ضعفه هو احد أسباب اتخاذهم لقرار مغادرة الشركة الى شركة أخرى، كما نجد أن الف شكرة من تلك الشركات العالمية تشارك في مبادرة الأمم المتحدة للمسؤولية المجتمعية و ان حوالى 54% من العملاء يأخذون في الاعتبار مدى مساهمة الشركة المنتجة للسلعة او الخدمة في تحقيق أنشطة فعالة قبل اتخاذ قرار الشراء او التعامل معها.

أما عن حجم الانفاق السنوي فإن الأرقام الدقيقة وإن بدت صعبة المنال إلا  أن تقرير خاص بأكبر 500 شركة في العالم ضمن تصنيف The Fortune Global 500 يشير إلى  أن  إنفاق تلك الشركات يصل الى 20 مليار دولار سنويا وهو ما يمثل حوالي 2% من إجمالي الأرباح.

يتم إنفاق تلك الأموال في العديد من المجالات الخدمية منها البرامج التعليمية، المبادرات البيئية، دعم الابتكار المحلي، وتحسين ظروف العمل في سلاسل الإمداد، بالطبع ترتبط نوعية مجالات المسؤولية والانفاق بصورة كبيرة على المجال الأصلي للشركة صاحبة المبادرة فعلى سبيل المثال نجد ان الشركات في قطاع التكنولوجيا مثل Google وMicrosoft تركز على التعليم الرقمي ومحو الأمية التقنية، أما شركات قطاع الطاقة مثل Shell وTotal فتقوم بتوجيه جزءًا من ميزانيتها لتعويض الأثر البيئي والاستثمار في الطاقة المتجددة، أما البنوك وشركات التمويل فتعمل على تنشيط الشمول المالي ودعم المشاريع الصغيرة و تقوم شركات التجزئة بالاهتمام بالمجتمعات المحلية وسلاسل الإمداد الأخلاقية.

وبعيدًا عن لغة الأرقام وتخصص الشركات نجد أن المبادرات تتركز بصورة أكبر على المجالات التالية:

مجال التعليم: منح دراسية، تدريب رقمي، بناء مدارس ومراكز تدريبفي المناطق المهمّش والفقيرة.
الرعاية الصحية: دعم المستشفيات، حملات التوعية، توفير اللقاحات والمستلزمات في أوقات الأزمات.
البيئة: برامج تقليل الانبعاثات الضارة، إعادة التشجير، دعم الابتكار في الزراعة المستدامة.
الاقتصاد المحلي: دعم الشركات الناشئة، تمويل الحرفيين، التدريب على المهارات المطلوبة للتوظيف.

بالطبع من السهل أن نحصر الفائدة في المستفيدين المباشرين، مثل ان يحصل شاب على منحة دراسية او ان يتلقى مريض العلاج ويحصل على رعاية صحية الخ ولكن الامر يتعدى الحالات الفردية الى الإطار الجمعي الكلى مثل ان تحصل المجتمعات على دعم مناسب لتطوير بنيتها التحتية والتعليم والصحةوان يرتقي الافراد على المستوى المهارى او الثقافي ويصبحون مهيئين أكثر لسوق العمل كما ان تلك الأنشطة تساهم كثيرا في اظهار التزام الشركات العالمية وتلقى قبولا أكبر في المجتمعات البعيدة.

وهذه النقطة الأخيرة قد يتعدى صداها وتأثيرها ويتفوق على ما تجنيه الشركات جراء الحملات الاعلانية والتسويقية من خلال تحسين صورتها الذهنية فالمستهلك بات أكثر وعيًا، ويفضّل التعامل مع الكيانات التي تُظهر التزامًا مجتمعيًا.، كما أن الالتزام المؤسسي بهذه الأنشطة يعد أحد عناصر جذب المواهب، فالموظفون الشباب يبحثون عن المعنى أيضا وليس على الجانب المادي فقط، كما ان هذا يساهم أيضا في زيادة الولاء المؤسسي ويجعل العاملين في الشركات المسؤولة مجتمعيًا أكثر ارتباطًا بعملهم. وهو ما يحقق المزيد من الاستدامة والاستثمار في المجتمع مما ينعكس استقرار السوق على المدى الطويل.

بقي أن  نوضح أنه ثمة فرق بين “العمل الخيري” و”المسؤولية المجتمعية” فالأول عاطفي، طارئ، وقد يكون فرديًا اما الثاني فهو مؤسسي، مخطط، ويُبنى على شراكات استراتيجية.
يتبقى دائما كيفية قياس الأثر كأحد التحديات الرئيسية في العمل المجتمعي فهذه معضلة أخرى. فليست كل النتائج قابلة للقياس بالأرقام. فعلى سبيل المثال كيف نقيس الوعي؟ أو الكرامة الإنسانية؟ أو فرصًا لم تكن لتوجد لولا تدخّل أحدهم في الوقت المناسب؟ وبالرغم من ذلك فان خبراء علوم الاقتصاد والاجتماع يستطيعون ان يضعوا مجموعة من المعايير لقياس الأثر غير المباشر

ونظرا للجهود الكبيرة التي تمت خلال العقود القليلة الماضية فانه نستطيع ان نقول اننا وفى القرن الحادي والعشرين نستطيع أن نلمس أن الأمر لم يعد ترفا أو بل أصبح جزءًا من تعريف النجاح المؤسسي
ربما ما نحتاجه الآن ليس مجرد مضاعفة الميزانيات، بل تعميق الفهم، وإعادة صياغة العلاقة بين الشركات والمجتمع، بحيث يصبح الاستثمار في الإنسان استثمارًا في المستقبل وان نصل في يوم ما إلى شركة تقول: “لقد نجحنا لأننا غيّرنا حياة الناس” قبل أن تقول: “لقد حققنا أعلى ربح هذا العام”
ربما… فهذا هو الربح الحقيقي.

 

زر الذهاب إلى الأعلى