د. هدى درويش تكتب: السيدة مريم العابدة البتول

لا يخفى تعلق قلوب المسلمين بالسيدة مريم العذراء أم المسيح عليه السلام التي تقبلها الله بقبول حسن واصطفاها وجعلها سيدة نساء العالمين لعبادتها وتسليمها لله.
فإذا نظرنا إلى الأحداث التي مرت بها السيدة مريم قبل ولادتها وكيف أعدها الله إعدادا مباركا لحدث لم تشهد البشرية مثله ..
فكانت السيدة مريم من بيت تقوى وكان أبوها عمران – الذى سميت سورة فى القرآن باسمه، واصطفاه الله وآله بقوله تعالى “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ” (آل عمران: ٣٣) فكان صاحب صلاة وعباده في زمانه، وكانت أمها، حنة بنت فاقود ، من العابدات، وكان زكريا (عليه السلام) نبي ذلك الزمان وزوج لأخت مريم ، وقيل: زوج خالتها.
نذرت السيدة حنة أم مريم نذرًا لله إن حملت لتجعلن ولدها محررا في خدمة بيت المقدس، ولما حملت – دعت ربها متضرعة إلى الله بقولها : { رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى) وكانوا في ذلك الزمان ينذرون لبيت المقدس خداما من أولادهم. فدعت حنه ربها قائلة : إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَٰنَ رَبِّ إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ مَا فِى بَطْنِى مُحَرَّرًۭا فَتَقَبَّلْ مِنِّىٓ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّى وَضَعْتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّى سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّىٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍۢ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًۭا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًۭا ۖ قَالَ يَـٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) (آل عمران: ٣٥ – ٣٧) فاستجاب الله لحنة وأعاذها وحفظها من الشيطان الرجيم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بنى آدم يمسه الشيطان يوم ولدته أمه إلا مريم وابنها) .
وهكذا فقد اصطفاها الله كواحدة من خيار سيدات نساء العالمين وخصها بسورة قرآنية كاملة باسمها.
ويذكر المفسرون أن أم مريم حين وضعتها، لفتها وخرجت بها إلى المحراب، فسلمتها إلى العُبّاد الذين هم مقيمون به، وكانت مريم ابنة إمامهم وصاحب صلاتهم عمران، فلما دفعتها إليهم تسابقوا في أيهم يكفلها، وذلك لمنزلة والدها عمران بينهم ، وكان زكريا نبيهم في ذلك الزمان، فأراد أن يكفلها ; من أجل أن زوجته أختها أو خالتها، على القولين، فطلبوا أن يقترع معهم فساعدته المقادير، وخرجت قرعته غالبة لهم، {وكفلها زكريا} ، واتخذ لها زكريا مكانا شريفا، محرابا لها لا يدخله سواها، وكانت الملائكة تحُفّها من كل جانب لقوله تعالى : (قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين) فكانت تعبد الله ، وتقوم بواجبتها من سدانة البيت إذا جاء دورها، وتؤدى العبادة ليلها ونهارها، حتى صارت يُضرب بها الأمثال بعبادتها وقنوتها بين بني إسرائيل فحفظتها عناية الله، واشتهرت بما ظهر عليها من الأحوال الكريمة، والصفات الشريفة، قال الأوزعى عن مريم : كانت فى محرابها راكعة وساجدة وقائمة حتى نزل ماء الأصفر فى قدميها . وعن عبادتها قال: “سجدت حتى نزل الماء الأصفر فى عينيها ” وقال مجاهد: كانت مريم عليها السلام تقوم حتى تتورم كعباها امتثالا لقوله تعالى {يا مريم اقنتى لربك} .. حتى نبي الله زكريا كان كلما دخل عليها فى موضع عبادتها، يجد عندها رزقا في غير أوانه، فيجد فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فيسألها: {أنى لك هذا يا مريم} فتقول: {هو من عند الله} {إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} فلننظر ولنتأمل كيف أعد الله هذه السيدة العظيمة لاستقبال الحدث العظيم ألا وهو ولادة السيد المسيح دون أب.
لقد صاغها الله روحيا وأَهّلَها تأهيلا كاملا.. فاستحقت المكانة العليا من ربها.. واستحقت البر من ولدها عيسى عليه السلام .. إنها البتول القانتة العابدة الناسكة الصابرة المؤهلة لمواجهة أضخم الصعاب وأصعب الاتهامات . فكان رب العالمين معها فى كل أوقاتها .
وقد بشرتها الملائكة باصطفاء الله لها، وأنه تعالى سيهب لها ولدا زكيا، يكون نبيا كريما طاهرا مكرما، مؤيدا بالمعجزات، فتعجبت من وجود ولد من غير والد ; لأنها لا زوج لها، ولا هي ممن تتزوج، فأخبرتها الملائكة بأن الله قادر على ما يشاء، إذا قضى أمرا فإنما يقول له: كن. فيكون ; فاستكانت لذلك وأنابت وسلمت أمرها كله لله .
فلما بلغت خمس عشرة سنة خرجت يوما تستعذب الماء من مغارة، فإذا بجبريل عليه السلام يأتى لها من عند اللَّه فحملت ليجعلها ربها المعجزة والأية الكبرى . قال تعالى : {ولنجعله آية للناس} .
ولله فى خلقه شئون ، فقد خلق الله آدم عليه السلام من غير ذكر ولا أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى عليه السلام من أنثى بلا ذكر، وخلق الخلق جميعًا من ذكر وأنثى.
ولقد تعددت صور البلاغة القرآنية بحيث يتعذر إحصاؤها فى مقام محدود . ومن ذلك قول الله تبارك وتعالى عن مريم عليها السلام : “فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة” (مريم :23) مصورا شدة الألم الذي كانت تعانيه فى مخاضها ، حيث لم يكن معها من يساعدها أو يعينها وكانت من شدة الألم تدفعها دفعا للإستناد إلى جذع النخلة حيث صور ذيلت الآية بقوله تعالى: “قالت يا ليتنى مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا” (مريم : 23) .
وحين ولدت السيدة مريم ابنها وخرجت به على القوم كانت المفاجأة، لكونها معروفة بينهم بأنها عذراء ناسكة عابدة ، لكن الله سبحانه وتعالى رحمها وجعل دليل البراءة والبرهان الذي لا تأتيه الريبة حيث أنطق الغلام وهو لا يزال فى مهده (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا . وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا . وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا . وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا}. وهنا نزلت السكينة على قلب مريم .
إنها مريم عليها سلام الله التى شملها ربها بالاصطفاء والطهارة والحفظ والرعاية والصدق والكمال ، وجهزها تجهيزا ربانيا لتحمٌّل المهمة العظمى ومواجهة المشاق الكبرى وجعل لها سورة كاملة باسمها .. حيث ارتبطت بها القلوب حبا لها ولابنها عيسى عليه السلام .. واستحقت أن يقول عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير نساء العالم مريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد» صلى الله عليه وسلم. ورضى الله عنهم جميعا .
وهكذا تظل السيدة مريم المثال والقدوة لبنى البشر فى الزهد والعبادة والاخلاص لله تعالى .
وقصتها شاهدة على روعة البيان القرآنى ومصورة للحدث الذى خُتم بشهادة السيد المسيح وكلامه فى المهد لنأخذ منه العبرة والدرس أن الشدة يعقبها انفراجة ، وأن المنح يأتى بعد المنع ، وأن الاخلاص لله والتبتل والعبادة هو طريق النجاة .







