مقالات الرأى

د. خالد غانم يكتب: مفهوم العمل الإنساني

نشوء الخير والشر ظهر بنشوء الكون وبدء الحياة على الأرض، فعلى قِدم ظهور الخبر والشر في الأرض وأزلية التصارع بينهما ، نرى الخير هو الغَالب، و على قدر الكم الصغير الذي قد يصدر من الإنسان فيعظمه أو يراه صغيرًا نرى حجم العمل الصادر من الإنسان وما ينتج عنه من نفع أو ضر.

إذ إن الخير مركوز في الفطرة الإنسانية وأصيل في الطبيعة البشرية، وهو منجاة الإنسان من الحوالك، ومفرج له من الضوائق، ولعل قصة النبي زكريا عليه السلام خير دليل على تنزل الخير إثر العمل الإنساني المفيد قال تعالي: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ*فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ). “سورة الأنبياء، آية: 89-90”.

وأعظم العمل الإنساني هو الذي يصب في نطاق بناء القدرات، وتنمية المواهب، وتوفير الإمكانات ، فهو الوسيلة الأكيدة لتعزيز التنافس العالمي وزيادة النمو الاقتصادي القائم على المعرفة والتعاون؛ وهو بمثابة ركن أساس لنجاح التنمية المستدامة المطلوبة؛ حيث إنه من الطبيعي أن يتم استنفار الهمم لرؤية واقعية من بناء الوعي لمفهوم العمل الإنساني لدى جيل، ينبغي أن نساعده ؛ بل نفتح له الأبواب؛ كي يجمع بين مستوى عال من الكفاءة، ويكون مسلحًا بكل أسلحة العصر الحديث؛ وذلك حتى تتواكب العقول مع مستجدات العصر، وتتلاءم مع السلم الحضاري؛ وفِي كل وقت يتأكد بقوة أن العمل الإنساني هو بناء للإنسان وبناء للأوطان، وأن الوطن يبنى بالعقول المعطاءة والسواعد القوية.

ومن المتعارف عليه أن العمل الإنساني متنوع المآرب، ومتعدد العلائق؛ ذلك لأن النوايا متنوعة، والطوايا مختلفة، فثمة عمل يعود نفعه على صاحبه، وهذا له مثوبة، وثمة عمل يشمل نفعه الفرد والمجتمع وهذا له فضيلة، ومن ثم نرى الفقهاء أجملوا هذا المعنى بالقاعدة المشهورة: ” العمل الذي يتعدى نفعه مقدم على العمل الذي لا يتعدى نفعه، والسنة النبوية ترسم لنا صورا لهذا العمل، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي اللع عنهما أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً ، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا ، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ شَهْرًا ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ ، وَمَنْ كَتَمَ غَيْظَهُ ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ ، مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِضًا ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يُثْبِتَهَا ، أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامُ .”

والتاريخ الإنساني يشهد بأن العمل الإنساني المتعدي نفعه هو الذي يحقق الحضارة، ويسهم في بناء الثقافة، والتكوين الأفضل للحياة.

فقد صنع نوح عليه السلام السفينة التي حملت المؤمنين به، تجري بأمر ربها مواخر في الماء، وعمل قوم هود بنحت الجبال فصنعوا منها بيوتا فارهين، واتخذوا من سهول الأرض قصورًا، وقامت في مصر حضارة وآثار وقلاع وأهرامات، لا تزال إحدى عجائب الدنيا السبع.

ومن المعلوم أن تعاقب الحضارات على مر التاريخ الإنساني يقدم لنا أمثلة منيرة للعمل الإنساني المفيد للغير، فإثر التقدم الحضاري والفلسفي على يد فلاسفة اليونان، ظهر الفلاسفة المسلمون ـ وأكثرهم من غير العرب ـ وقدموا للعالم إسهامات حضارية متنوعة في صنوف العلم المختلفة، فاستفاد منهم علماء أوروبا وغيرهم، وهم واصلوا المسيرة الحضارية؛ فأنتجت عقولهم مخترعات وأجهزة إلكترونية في مجالات متنوعة يحار العقل عن تصديقها قبل هذا الزمن.

ومن ثم فالحضارة القائمة على فكرة العمل الإنساني المتعدي نفعه للغير لهي حضارة جذورها ثابتة، وفروعها مستمرة ودائمة، وهي قضية تستدي الانتباه نحو بناء الوطن وتماسك المجتمع، وتزييلًا لهذا فالمسئولية المجتمعية تسهم في العمل الإنساني نحو البناء الاجتماعي للإنسان.

زر الذهاب إلى الأعلى