د. هدى درويش تكتب: نبي الله إدريس والإبداع الحضاري

إدريس عليه السلام هو النبى المصدق لآيات الله فى خلقه، نموذج العابد العامل الخاضع لأوامر الله واجتناب نواهيه، وهو الصابر المجاهد فى سبيل الله لأجل هداية قومه وتعليمهم طرق الوصول للمعارف الالهية ، اجتباه ربه وهداه ورفعه مكانا عليا.
هو أول نبى مرسل بعد آدم عليه السلام ، عاش فترة ما قبل الطوفان وقبل نوح عليه السلام، وصفه القرآن الكريم بأنه صدِّيق نبي ، ومكرم برفعه إلي مكان عليٍّ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام فى حقه أنه أول من خط بالقلم، وأنزل عليه ثلاثون صحيفة.
وذكرت المصادر الإسلامية أنه عاش فى الفترة ما بين آدم ونوح عليهما السلام ، وهى فترة ما قبل الطوفان ، وعن مولد إدريس ومكان نشأته ، ذكر “الألوسى” أنه ولد بمصر فى منف، وسموه هِرمِس الهرامسة ، حيث أقام فيها يدعو لعبادة الخالق والتوحيد ، وأمر الخلائق بالصلاة والصيام وجهاد الأعداء ، والزكاة بالأموال لمعونة الضعفاء . وكانت مكانة النبى إدريس العالية وذكره فى الكتب السماوية واختصاص الله تعالى له بالمدح والتصديق والقرب منه تعالى ، جعلته كائنا متميزا تتنازعه الأمم بالانتساب إليها كاليونانيين والفرس والبابليين وقدماء المصريين والعرب والرومان وغيرهم.
وااختلف فى مسماه باختلاف الثقافات والديانات المعاصرة لعهده، كذلك اختلاف الترجمات المروية عنه ، والتي تشكلت من الآرامية ، والعبرية ، واليونانية ،واللاتينية، والعربية والفارسية وغيرها. فهو “إدريس” فى القرآن الكريم والسنة الشريفة ، “وحنوخ”، و”إينوخ” عند اليهود فى الكتابات اللآتينية ، وأخنوخ فى الترجمة العربية للتوراة . وهو “هِرمِس” عند العرب قبل الإسلام، ويسمى هِرمِس الأول وهِرمِس الهرامسة ، وباليونانية هو “إرميس” ومعناه عطارد وقال آخرون اسمه باليونانية اطرسمين.
ونقل المقريزى فى المواعظ والاعتبار، إن جميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان إنما صدرت عن هرمس الأوّل (إدريس عليه السلام) الساكن بصعيد مصر الأعلى، وأنه أوّل من تكلم في الجواهر العلوية، والحركات النجومية، وأوّل من ابتنى الهياكل، ومجد الله فيها، وأوّل من نظر في علم الطب، وألف لأهل زمانه قصائد موزونة في الأشياء الأرضية والسماوية، وقالوا: إنه أوّل من أنذر بالطوفان، ورأى أن آفة سماوية تصيب الأرض من الماء، والنار فخاف ذهاب العلم، واندراس الصنائع فبنى الأهرام، والبرابي التي في صعيد مصر الأعلى، وصوّر فيها جميع الصنائع، والآلات ورسم فيها صفات العلوم حرصا على تخليدها لمن بعده، وخيفة أن يذهب رسمها من العالم، وبهذا فقد وضع أمام الأجيال من بعده خارطة الإبداع لصنع الحضارات في التاريخ.
أ.د هدى درويش ـ عميد كلية الدراسات الآسيوية السابق بجامعة الزقازيق







