د فايد محمد سعيد يكتب : هاجر عليها السلام… الماء الذي تفجّر من الصحراء، وكيف صارت وحيدة الوادي أمّةً تُعَمَّر من سلسلة: عندما يكون الحلّ هو المستحيل –(٣)
متابعات يوتوبيا

من أعظم مشاهد القرآن والسنّة التي تُربّي في قلب الإنسان معنى التوكل الحقّ، قصة هاجر عليها السلام في وادي مكة: امرأةٌ ضعيفة في ظاهرها، عظيمة في جوهرها، تُركت في صحراء لا نبت فيها ولا ماء، ومع ذلك — من قلب هذا العجز — يولَد أعظم عمران شهدته الأرض: زمزم، ثم سكنى جُرهم، ثم بناء الكعبة، ثم مبعث النبي ﷺ.
لم يكن هذا المشهد مجرد اختبارٍ فردي لامرأة صالحة، بل درس رباني ممتدّ، يعلّم كل مؤمن:
أن الضعف ليس نهاية، وأن الفقر ليس عدماً، وأن الوحدة ليست هلاكاً… بل قد تكون بداية العمران كله
.١. بداية القصة: الطاعة التي تتجاوز منطق البشر
يمضي إبراهيم عليه السلام بزوجته هاجر وابنها الرضيع إسماعيل إلى وادٍ غير ذي زرع، لا ماء، لا شجر، لا أنيس، لا ظلّ. مشهد لا يمكن لعقل أن يقبله دون أن يتساءل: كيف يترك رجلٌ زوجته وطفله في هذا المكان؟ لكن الإجابة تأتي من هاجر نفسها حين قالت له في ثبات:
“آلله أمرك بهذا؟”
قال: نعم.
قالت: “إذن لا يضيّعنا الله.”
هذه العبارة هي مفتاح السلسلة كلها:
لا يضيّعنا الله.
الهداية في قلب المجهول، والأمان في قلب الخوف، والرزق في قلب العدم.
كانت هاجر لا تعلم متى يأتي الفرج ولا كيف، لكنها كانت تعلم “مَن” يأتي بالفرج.
وهنا الفرق بين التفكير الإيماني والتفكير المادي.
التفكير المادي يسأل: كيف؟
أما التفكير الإيماني فيسأل: من؟
ومن كان سؤاله “من؟”، عرف أن الجواب دائمًا: الله.
٢. الوحدة المطلقة: امتحان الروح قبل امتحان الجسد
ترجع خطوات إبراهيم عليه السلام، وتبقى هاجر وحدها مع طفلها.
لا سقف، لا جدار، لا ماء، لا طعام.
صحراء مفتوحة على السماء، وصمت ثقيل لا تسمع فيه إلا صوت طفل يتلوّى من الجوع والعطش.
ما أشدّ هذه اللحظة!
وهذا جوهر الدرس: أن الله لا يصنع المعجزات من قلب الراحة، بل من عمق الامتحان.
تجري هاجر إلى الصفا… فلا ترى شيئًا.
تجري إلى المروة… فلا ترى إلا السراب.
وتعود سبع مرات، تركض بروح أمّ تتأرجح بين الأمل واليأس، وكلما سعت خطوة، كُتبت للأمة شعيرة:
سعي الصفا والمروة.
أي عظمة هذه المرأة!
سعيُها الذي كان يبدو في تلك اللحظة محاولة يائسة لإنقاذ طفل تتفجر منه شعيرة يؤدّيها الملايين عبر القرون.
٣. كيف فجّر الله الماء من تحت قدمَي طفل؟
هنا يحدث المشهد الذي يكسر قوانين الطبيعة:
بينما هاجر في أعلى المروة، يلوح لها من بعيد شيء يتغير حول الطفل.
تعود مهرولة إليه، لتجد الماء يتفجّر من تحت قدمي إسماعيل.
ولم يكن ماءً قليلًا، بل عينًا تفور، تنتشر، وتفيض، وتحيا بها الأرض.
فلما رأت هاجر الماء قالت: “زمّي زمّي” — فكانت تسمية زمزم.
إن مصدر الماء ليس السماء، ولا السحب، ولا نبعًا في جوف الأرض.
إنه إرادة إلهية مباشرة تخلق الماء من حيث لا ماء، وتحيي الصحراء من حيث لا حياة.
وهنا يتجلّى الحل المستحيل:
الماء يأتي بلا سبب.
الحياة تأتي بلا مقدمات.
الرزق يأتي بلا طريق ظاهر.
هذه القصة تعلّمنا أن الله قادر على أن يخلق لك رزقًا من تحت قدمك، من حيث لا تخطط ولا تتوقع.
٤. زمزم… معجزة تتحوّل إلى تاريخ
زمزم لم يكن مجرد ماء، بل كان عنوان عناية، ودليل رعاية، وآية يتوارثها الزمن.
إنه الماء الذي:نشرب منه اليوم بعد آلاف السنين،
ويُحمَل إلى البلاد،
ويطلبه المرضى قبل الأصحّاء،
ويستشهد به العلماء في كتب الطب والروح،
ويزداد ولا ينقص،
ويجري ولا ينضب
كيف بقي زمزم آلاف السنين؟
ليس لأنه نبعٌ جيولوجي، بل لأنه جبريل ضرب الأرض، فأطاعته الأرض، فأذن الله للماء أن يظهر.
ولذلك قال النبي ﷺ عن زمزم:
“ماء زمزم لما شُرب له”
فصار تاريخًا، وصار علاجًا، وصار بركة، وصار كرامة.
٥. من الماء يبدأ العمران: قبيلة جُرهم وسكنى المكان
لم يكن الماء نهاية القصة، بل بدايتها؛ فحين ظهر زمزم، بدأت القبائل تبحث عن مصادر الحياة.
تأتي قبيلة جُرهم — وهي من أشهر القبائل العربية — وترى الطير يحوم فوق الوادي، فتدرك أنه لا يكون إلا فوق الماء.
تقترب جُرهم من المكان وترى امرأة وحدها، وابنًا صغيرًا، وماءً فائرًا.
وتطلب منها الإذن بالسكن.
تقول هاجر:
“نعم، ولكن لا حق لكم في الماء.”
فيقبلون.
وتصبح الصحراء — التي كانت قبل لحظات مكانًا للموت — موضعًا للحياة.
يبدأ الناس بالسكن حول هاجر، يتكاثرون، تنشأ البيوت، تبدأ التجارة، يمرّ المسافرون، ويُبنى مجتمع.
هذا هو درس العمران الرباني:
امرأة واحدة… بركضتين بين جبلين… تخلق تاريخ أمة.
كم من مصلحٍ في العالم يحتار: من أين أبدأ؟
والجواب في قصة هاجر: ابدأ حيث أقامك الله، ولو كنت وحدك، ولو بلا أدوات، ولو بلا أسباب.









