د. فايد محمد سعيد : الليالي العشر من رمضان: فضلها، وفضل ليلة القدر، وأعمال النبي فيها، وقصص الصالحين
تقرير|

رمضان شهر البركات والنفحات الإلهية، وترصد بوابة اربيان يوتوبيا بعض الحقائق العلمية حول العشر الأواخر في هذا التقرير، والذي يسطره قلم أ د فايد محمد سعيد، فيقول:
رمضان هو شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، وفي العشر الأواخر منه تتضاعف النفحات الإيمانية، وتزداد البركات، إذ جعل الله فيها ليلة خيرًا من ألف شهر، وهي ليلة القدر، التي تتنزل فيها الملائكة ويكتب فيها الأقدار.
يقول الله تعالى في وصفها:
{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ . لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ . تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ . سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [القدر: 1-5].
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:
“إذا كان العشر الأواخر من رمضان، شدَّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله” (متفق عليه).
وهذا المقال يسلط الضوء على فضل هذه الليالي، وليلة القدر، وأعمال النبي صلى الله عليه وسلم فيها، ومواقف الصالحين الذين اجتهدوا فيها، مع تضمين الآيات الكريمة والأحاديث النبوية وأشعار العلماء.
⸻
أولًا: فضل العشر الأواخر من رمضان
العشر الأواخر من رمضان تمثل ختام الشهر المبارك، وفيها تتنزل الرحمات، ويُعتق الله رقاب العباد من النار. ومن فضائلها ما يلي:
1. فيها ليلة القدر، وهي أفضل ليلة في السنة، والعمل فيها خير من عبادة 83 سنة.
2. الاجتهاد المضاعف للعبادة، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يزداد اجتهادًا في هذه الليالي أكثر من غيرها.
3. العتق من النار، كما ورد في الحديث: “إن لله عتقاء في كل ليلة من رمضان” (رواه الترمذي وابن ماجه).
4. غفران الذنوب لمن قامها بإيمان واحتساب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه” (متفق عليه).
وقد قال أحد الشعراء في فضل رمضان وروعته:
يا ذا الذي ما كفاه الذنبُ في رجبِ
حتى عصى ربَّهُ في شهرِ شعبانِ
لقد أظلكَ شهرُ الصومِ بعدَهما
فلا تُصيرهُ أيضًا شهرَ عصيانِ
وَزدْ فِيهِ مِنْ الطّاعاتِ مُجتَهِدًا
فَإِنّهُ شَهرُ تَحليلٍ وَإِحْسَانِ
⸻
ثانيًا: فضل ليلة القدر
ليلة القدر هي أكرم ليلة في السنة، وقد شرفها الله بعدة أمور:
1. نزول القرآن الكريم فيها: قال تعالى:
{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر: 1].
2. أنها خير من ألف شهر: أي أن العمل الصالح فيها يعادل 83 عامًا.
3. نزول الملائكة بالرحمة والبركة: كما قال تعالى:
{تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} [القدر: 4].
4. السلام حتى الفجر: فهي ليلة سلام وخير.
وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
“تحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان” (متفق عليه).
وقد تغنى بها الشعراء، فقال أحدهم:
يا ليلة القدر جودي بالرضا سحرا
فإنما أنتِ في الأزمان كالدُّررِ
فيكِ الملائكة الأبرارُ نازلةٌ
من كلِّ أمرٍ بإذنِ اللهِ والقدرِ
⸻
ثالثًا: أعمال النبي صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر
كان النبي صلى الله عليه وسلم يخصص هذه الليالي للعبادة الخالصة، ومن أبرز أعماله فيها:
1. الاعتكاف
• كان يعتكف في المسجد، متفرغًا للعبادة، وقد قالت عائشة رضي الله عنها:
“كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله” (متفق عليه).
2. قيام الليل وإحياءه
• كان يقوم الليل كله بالصلاة والذكر والدعاء، كما قالت عائشة رضي الله عنها:
“كان إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله” (متفق عليه).
3. الإكثار من الدعاء
• ومن أفضل الأدعية في هذه الليالي ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين سألته:
“يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟” قال: “قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني” (رواه الترمذي).
⸻
رابعًا: قصص الصالحين في العشر الأواخر
1. الإمام مالك وترك حلق العلم
• كان الإمام مالك رحمه الله إذا دخلت العشر الأواخر يترك تدريس الحديث وينشغل بالعبادة، ويقول:
“هذا وقت المناجاة وليس وقت الرواية”.
2. الإمام الشافعي والقيام في العشر الأواخر
• كان الإمام الشافعي رحمه الله يقول:
“من لم يستطع قيام الليل، فلا يحرم نفسه من الدعاء والاستغفار، فالدعاء مخ العبادة.”
3. الفضيل بن عياض والبكاء على الفائت
• كان الفضيل بن عياض يبكي إذا دخلت العشر، ويقول:
“وا حسرتاه! من لم يُغفر له في هذا الشهر، فمتى يُغفر له؟”
4. الحسن البصري وأهمية استغلال الليالي
• كان الحسن البصري يقول:
“أحسنوا استقبال هذه الليالي، فإنها فرصٌ لا تعوض.”
⸻
خاتمة
العشر الأواخر من رمضان هي كنز لا يقدر بثمن، وهي فرصة عظيمة لمن أراد النجاة والفوز بجنة الله ورضوانه. فعلينا أن نغتنم هذه الأيام بالطاعات، ونتحرى ليلة القدر، ونجتهد في العبادة.
نسأل الله أن يجعلنا من المقبولين، وأن يرزقنا قيام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، وأن يعفو عنا ويتقبل منا صيامنا وقيامنا.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين









