
منذ أن خط أمنحوتب على جدران الحجر أول حكمة طبية ، ودون المصري القديم أسرار الجسد والروح في البرديات ، بدأت مصر تُرسخ معنى أن الطب ليس مهنة بل حضارة ، وأن العلاج ليس وصفة بل فهم عميق للإنسان ، وفي معابدها القديمة حيث كان الكاهن طبيب والعالم حكيم والمداوي جزءً من نسيج الوجود ، تأسّست أول فلسفة طبية تربط بين الجسد والنفس والروح ، وبين الصحة والقداسة ، وبين الإنسان والكون ، وتتابعت العصور وتحولت البرديات إلى مدارس ، والمدارس إلى بيمارستانات ، فكانت مصر من الأوائل الذين صنعوا مؤسسات للعلاج والتعليم ، يجتمع فيها المرضى والطلاب والمعلمون ، تُجرى فيها العمليات ، وتُحضر فيها العقاقير ، وتُكتب فيها العلوم ، وفي العصر الإسلامي لمع فيها أسماء كبار الأطباء والجراحين والممارسين والممرضين ، وتعدّدت البيمارستانات التي كانت أشبه بجامعات معرفية تجمع بين العلم والخبرة والتجربة ، فازدهر الطب وازدهرت معه قيم الرحمة والإنسانية ، ومع بزوغ العصر الحديث ارتفعت راية مصر من جديد ، فكانت مدرسة الطب في أبي زعبل ، ثم القصر العيني نقطة الانطلاق الأولى لنهضة طبية شاملة. ، ومن بعدها قامت مدارس الطب في الإسكندرية وعين شمس وأسيوط والمنيا والمنصورة وجميع المحافظات ، جامعات صنعت علماء وأطباء وباحثين ومدرسين وقامات رفيعة المستوى انتشرت في العالم كله ، ولأن الطب لا يقوم بلا تمريض ، بزغ تاريخ التمريض المصري بمدارسه وكلياته الرائدة ، حتى أصبح التمريض المصري أحد أعمدة الرعاية الصحية في الوطن العربي وأفريقيا ، ولم تكن مصر مجرد دولة تُدرس الطب ، بل كانت وما زالت مصنع للخبرات ، وآلاف الأطباء والصيادلة والممرضين والعلماء المصريين عبروا الحدود ، وحملوا علمهم إلى المشرق والمغرب ولمعظم دول العالم ، دخلوا المستشفيات ودرّسوا في الجامعات ، وأسّسوا كليات ومعاهد ووضعوا المناهج وأشرفوا على برامج التدريب ، وأداروا أقسام ومؤسسات ، وأسهموا في بناء نظم صحية كاملة في دول عديدة ، وكانت كفاءاتهم جسرا لنهضة عربية وافريقية واسعة ، وكان عطاؤهم هوية لا تخفى ، وكفاءة لا ينافسها أحد ، ومصر الكنانة التي تجمع بين العلم والكرم وبين المعرفة ودفء الإنسانية وبين الطب وحضارة أكثر من سبعة آلاف عام ، بقيت قبلة للمتعلمين والباحثين والمرضى والطلاب ، وكل من قصدها لاستزادة علم أو طلب علاج أو بحث عن خبرة ، فمن يدخلها يتعلم ما هو أعمق من الدروس ، يتعلّم قيمة الإنسان ، ورسالة الطب ومعنى أن تكون المهنة شرف وعطاءً وتفاني ، وتبقى مصر من عصر إمحوتب إلى عصر الجامعات الحديثة بلدا يصنع قدر الطب نفسه ، بلدا تُعلم الأمم معنى أن يكون العلم رسالة والمهنة عهد ، والإنسان مركز الطب وهدفه ومبتدأه وخبره ، وتبقى مصر نهرين نهر يجري في الأرض خيرا وعلما ومعرفة ، ونهر يجري في الروح حكمة وطمأنينة ، وتبقى مصر مهد الحضارات إذا مر عليها الزمن انحنى ، لأنها البلد التي صنعت أول جراح وأول صيدلاني وأول مدرسة طبية وأول بيمارستان منظم ، وأول نهضة طبية حديثة في الشرق والعالم ، ومصر التي علمت الكون كيف يداوي الإنسان أخاه الإنسان ما زالت تحمل مشعل الطب في يد ومشعل الحضارة في يد ، وتقول للعالم إن العلم بلا رحمة صوت بلا معنى ، وإن المهنة بلا إنسانية طريق بلا ضوء ، وإن الطبيب بلا قيم تائه حتى ولو حمل آلاف الشهادات ، وفي نهاية كل عصر يلتفت العالم حوله باحثا عن جذور المعرفة فيجد أن جذورها الممتدة في الشرق كلها تسير نحو بلد واحد ، بلد إذا دخلته إلى الطب خرجت منه إنسانا ، وإذا تعلمت فيه العلم حملت منه الأخلاق ، وإذا غادرته بقي شيء منه في روحك ، تلك هي مصر التي لا تشبه أحدا لأنها الأصل الذي تُقاس عليه الفروع ، وستظل مصر بإنسانها وعلمها وتراثها وأطبائها وممرضاتها وصيادلتها وباحثيها أم الطب في العالم وأحد أصوله في التاريخ ، ووجهه الذي لا يغيب في المستقبل ، هذه هي الكنانة كما يراها قلبي وعيناي وكما يليق بها أن تٌرى ..
د.علي المبروك أبوقرين







