مقالات الرأى

د. عبد الراضي رضوان يكتب: هانز كونج وفلسفة حوار الحضارات

ربما كان عالم الأديان السويسري هانز كونج أعمق مَنْ طرح مشروعا إنسانيا شاملا لحوار الحضارات، عندما اشتمل منظوره لحوار الحضارات على الجوانب الدينية الجوهرية، وعلى الآليات والوسائل اللازمة، وكذلك على الجوانب الإنسانية الضرورية بمتطلباتها المتنوعة التي لايمكن لأي أطروحة في الحوار أن يُكتب لها النجاح دونها .

فحوار الحضارات الذي يبقى بعيدا عن معالجة الحلول الجذرية للمسائل الأكثر محورية في حياة الإنسان مما تتقاطع حولها مصالح الأمم وأيديولوجياتها وثقافاتها وتقاليدها وأعرافها وأديانها سيظل حوارا نظريا شكليا قاصرا على التنظير دون التفعيل أو التأثير الحقيقي.

ومثل هذا الحوار لن يستطيع الصمود في مواجهة الدعوة الخشنة إلى صدام الحضارات التي تبناها هينتجتون الأمريكي وتجد تطبيقاتها في مجمل السياسات الدولية والصراعات الآنية الدامية.

فمنذ أن شرع هانز كونج في الاشتغال العلمي بموضوع( اللاهوت المسكوني ) ثم بتأسيس ( جمعية الأخلاق العالمية ) وهو مدرك لأهمية تأصيل المشتركات الإنسانية الجامعة لآمال البشرية وطموحاتها نحو مستقبل ، والتي تمثل أهم عوامل الاجتماع والتقارب والتعايش والحوار.

لذلك جاءت دعوته للحوار في إطار برنامج لاهوتي حُرّ يستهدف إرساء دعائم سلام عالمي شامل :
– لا سلام بين الأمم دون سلام بين الأديان ..
– لا سلام بين الأديان دون حوار بين الأديان ..
– لا حوار بين الأديان دون بحث أصول الأديان.

فقد تصدى هانز كونج لظاهرة الإسلاموفوبيا في الغرب ؛ لتصحيح تلك الصورة الذهنية المشوهة التي ترسَّختْ في الغرب نحو الإسلام.

فبيَّن أنها تتجاهل وتغفل عن الجوانب الحضارية والثقافية والعقائدية والأخلاقية والتيارات التحديثية التي يمكن الحوار معها من أجل تحقيق السلام بين الإسلام والمسيحية وإحلال السلام بين الغرب والعالم الإسلامي بدلا من لغة الصدام والصراع والمواجهة.

ولكي تكتمل واقعية مشروع الحوار كان لابد أن يتقدم هانز كونج بمشروعه خطوة تأسيسية واسعة التأثير عندما يطرح المشتركات الاعتقادية والأخلاقية السبعة بين الغرب والعالم الإسلامي حول مؤسسي الحضارتين من الأنبياء والرسل :
١. مثلما عمل أنبياء بني إسرائيل عمل رسول الإسلام على أساس من الوحي الإلهي وليس استنادا إلى سلطة وظيفية أو اجتماعية.

٢. كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم كما كان أنبياء بني إسرائيل من ذوي الإرادة والشخصية القوية المستندة إلى التكليف الإلهي.
٣. لم يُرِد أحد من أنبياء الحضارتين أن يكون شيئا آخر غير الناطق باسم الله ومبلّغ كلمته.
٤. دعوا جميعا إلى الإله الواحد.
٥. طالبوا جميعا بالخضوع والاستسلام التام لهذا الإله الواحد.
٦. ربطوا جميعا بين الدعوة إلى التوحيد وبين الجانب الإنساني في تحقيق العدالة.
٧. عانَوا جميعا من المقاومة المجتمعية الشرسة المدعومة بالتقاليد والأعراف المناهضة لحماس الأنبياء وإخلاصهم.

زر الذهاب إلى الأعلى