د. عبد الراضي رضوان يكتب: عميد عمداء النور والتنوير

لقد أصاب الشاعر الكبير أحمد عبد المعطي حجازي عندما وصفه بأنه الضرير الذي جعلنا نبصر فهو كبرومثيوس الأسطورة اليونانية الذي سرق النار من الآلهة ليمنح النور للآخرين.
فرغم أنه عميد العمداء وأول مَنْ يحصل على درجة الدكتوراة بجامعة القاهرة ليصبح من أعاظم المدرسين بها وعَلَم أعلامها الذين إن ذُكِرت الجامعة اقترنت باسمهم كما يقول شيخ العربية وفارسها العلّامة الشيخ محمود شاكر : ( الجامعة هي طه حسين ) ، أكبر متذوق للغة العربية وغيور عليها .
لكن طه حسين لم يكن الأكاديمي الجامعي فحسب ، بل كان مؤسسة كاملة متكاملة في العمل والإنجاز بالمجال التعليمي والتربوي والثقافي والأدبي والديني والسياسي والاجتماعي .
فطه حسين الرائد الإصلاحي التنويري حامل رسالة الإمام محمد عبده الذي يُعدُّ أحد أبرز ثلاثة أعلام تأثر بها العميد
إلى جانب الزعيم الوطني مصطفى كامل ، وقاسم أمين ذو التوجه الاجتماعي للإصلاح .
فقد تشرَّب عميد العمداء طه حسين رسالة الإمام محمد عبده الإصلاحية ذات خطاب التجديد الديني والعلمي والفكري المستند إلى إعمال العقل في ضوء الوحي لإطلاق الأمة الجامدة المتحجرة عند حروف الحواشي والمختصرات بمنأى عن تمدد العقل الإبداعي والتقدم العلمي والثورة الصناعية.
فانطلق العميد بكل قواه صوب التنوير والتجديد داعيا لثورة تعليمية تجعل التعليم كالماء والهواء ، بما لا يعني مجانيته فحسب بل أن يكون سهلا منالُه صحيحاً نهجه كُفئاً مُعَلّمه القائم عليه تدريساً وتوجيهاً .
وكانت رؤيته الإصلاحية ترتكن إلى مكتسبات عصر النهضة والتنوير الغربي خاصة في جانب النقد والشك الديكارتي .
لكن هذا المسلك قد فتح عليه أبوابا من الخصومات والثأرات والعداوات والاتهامات التي ترميه بالخروج عن المألوف من المعتقدات والأفكار.
وذلك ما لم يكن مقصده أو ديدنه لكنها الإحن الشخصية بينه وبين أحد أبرز أعلام الإبداع الحديث مصطفى صادق الرافعي الذي طالبَ بعزل العميد من الجامعة بسبب كتابه ( في الشعر الجاهلي ) وتم نقل الخلاف من باب المعرفة والثقافة إلى دوائر القضاء والمجالس التشريعية ، لكن العملاق عباس العقاد دافع عن العميد وبرّأه من تهمة التجديف ضد المعتقدات ، ثم حفظ القضاء جميع الاتهامات.
وعاد العميد للإبداع مجددا سالكا مسلك المزاوجة بين الأدب والفكر الديني في دراساته الجامعية والثقافية مقدّما رؤيته الإسلامية التصحيحية في كتبه المتتالية( في مرآة الإسلام ) ، ( الشيخان ) ، ( على هامش السيرة ) ليثبت صدق شهادة شيخ العربية الجليل وفارسها الأصيل الشيخ محمود شاكر : ( كانت الجامعة طه حسين ) ،( طه حسين أكبر عاشق ومتذوق للغة العربية وغيور عليها ومنافح عنها ).
وليغلق العميد الباب على أصابع خصومه برحلته إلى الأراضي المقدسة مقبِّلا حفنة من تراب الحديبية عسى أن تكون أقدام النبي صلى الله عليه وسلم قد مسَّتها ، ورافضا المحاضرة أو التدريس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة تأدباً وخشيةً وعملا بقوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) .
ليبقى العميد دوما مع كل دعاء للكروان صوتا للبؤساء المعذبين في الأرض ، وعَلَما من عشرة أعلام للتنوير والإصلاح الذين تعتبرهم السوربون أعظم مَنْ تخرج فيها.
ا . د عبد الراضي رضوان عميد كلية دار العلوم سابقا – جامعة القاهرة







