
هناك أيامٌ في تاريخ الشعوب تتجاوز أُفقَ التاريخ والسير؛ لتتحولَ إلى دوحة وطنيةٍ، تحرك كوامنَ الانتماء بداخلنا، وتَشُدُّ الفؤادَ إلى ترابِ الوطنِ مهما بعدت المسافات.
ومن ثم يطلُّ الثالثُ والعشرون من يوليو شاهد على هذه اللحظات الخالدة؛ إذ تتزينُ فيه بعثاتُ مصرَ الدبلوماسية وقنصلياتها وصروحُها الثقافية عبر العواصمِ برايةِ الوطنِ الشامخة. هناك، في كل الدول حيث مصر بادية في سفاراتها ومراكزها الثقافية، حيث تجتمعُ العقول والقلوب على عرائسَ يكللها الفخر، وتنضجُ فيها أسمى معاني الولاءِ والوفاءِ لأرضِ الكنانة.
ومن واقع تجربتي في العمل ملحقًا ثقافيًا لجمهورية مصر العربية في الدوحة ودول جنوب شرق آسيا، لم يكن الاحتفال بثورة يوليو مجرد ذكرى عابرة ، بل كان فرصة حقيقية لتجديد قيم الولاء والانتماء، وتذكير بدور أبطال مصر وحماتها، ورسم قيم وطنية في عقول أبنائنا الذين وُلدوا وعاشوا خارج الوطن.
في احتفال عريق يتناسب مع مكانة مصر كان أبناء الجالية المصرية يتوافدون مع أسرهم، حاملين الأعلام المصرية، وتصدح الأغنيات الوطنية في أزقة وأركان المكان، وترتسم صورة إضافية للمكان نرى فيها السفارة أو مركز مصر الثقافي قطعة منقوشة من مصر. وكأن الحضور يصافحون المكان ويعانقون الوطن.
ومن ثم ترتسم المعاني الحقيقية للوطن والتي تغرسها السفارات المصرية ومراكزها الثقافية لاستعادة تاريخ مصر وحضارتها في عقول أبنائها في الخارج ومن يحضرون من محبيهم، وتقدم صورة حضارية وتاريخية لمصر إلى شعوب العالم،
إن القوة الناعمة لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُبنى بالصورة التي نرسمها عن وطننا في عقول الآخرين، ولذلك فإن الاحتفال بالمناسبات الوطنية يتجاوز الكلمات والخطابات الرسمية، لتحول إلى باكورة ثقافية في سلم التاريخ وأدراج الحضارة وتسجيل قيم وطنية على مسرح الانتماء للوطن.
وإنه ليحضرني ما كانت الأجواء تموج به في تلكم الفترة – التي كنت من حلقاتها – وذلك من خلال عروض فنية وتراثية، ومعارض ثقافية تحكي حضارة مصر وتاريخها، مسجلة تاريخ الأبطال، ومسابقات ثقافية للطلاب.
وإن الذكرة تقودني لسرد لوحة من هذا الجانب حينما كنت
ملحقًا ثقافيًا لمصر في كازاخستان، حيث كنت على يقين بأن المركز الثقافي المصري يجب أن يذهب بثقافة مصر وحضارتها إلى الجامعات والمدارس والمؤسسات والمجتمع الكازاخي ككل.
ومن هنا جاءت فكرة معرض «كنوز مصر» كخطوة مبتكرة للتعريف بحضارة وثقافة وتاريخ مصر، فهم لم يكن مجرد معرض للمستنسخات والتحف، بل كان مشروعًا متكاملًا للتعريف بالحضارة المصرية والترويج الثقافي والسياحي لمصر الذي كان له عظيم الأثر فيما بعد.
ولعل من كان يتابع حركة المركز الثقافي المصري بكازاخستان يدرك أننا أقمنا معرض «كنوز مصر» في القاعة الكبرى بجامعة نزارباييف في العاصمة الكازاخية أستانا والتي سميت الآن نور سلطان، وضم مستنسخات تعكس تاريخ الحضارة المصرية؛ الفرعونية والقبطية والإسلامية. وكان هدفنا أن يرى الزائر مصر أنها حضارة لها تاريخ عريق متصل الحلقات، ويمتد عبر آلاف السنين وتحتضن تنوعًا إنسانيًا وثقافيًا فريدًا.
ونظرًا لنجاح الفكرة والإقبال المتزايد تم تنظيم المعرض في العام التالي، وذلك في تجربة هدفت إلى نشر الثقافة المصرية وتاريخ الحضارة المصرية ، ودعم السياحة من خلال أدوات القوة الناعمة.
وهذا الأمر جعل الذاكرة المصرية لدينا تنتقل بحثًا عن أدوات تخاطب المجتمع بلغته وبالرموز القريبة منه. فاستعنا بأحد أشهر نجوم الفن في كازاخستان لترويج السياحة والسفر إلى مصر، إيمانًا بأن الفنان الذي يحبه الجمهور يمكن أن يصبح جسرًا إلى ثقافة أخرى، وأن يدعو الناس لاكتشاف مصر وزيارة آثارها ومدنها والتعرف على حضارتها.
ممكن يمكن أن نصفه بالتسويق الوطني بالثقافة؛ لنقدم حضارة الوطن من خلال كنوزه الحقيقية، وأن نستفيد بالفن والتراث ونجعل من الشخصيات المؤثرة سفراء لمصر، ومن كل فكرة أو تجربة أو نشاط ثقافي رسالة سياحية وتعليمية وحضارية متكاملة.
وهذا جعلني أرى عيانًا كيف يمكن لمستنسخ أثري، أو صورة لمعبد، أو حكاية عن الحضارة المصرية، أن تشعل فضول طالب لم يزر مصر من قبل، وأن تدفع أسرة كاملة لتكون رحلاتها وزياراتها تكون مصر هي الأولى وعلى قائمة رحلاتها المقبلة. هنا تصبح الثقافة استثمارًا في صورة الوطن، وتصبح الدبلوماسية الثقافية جزءًا من التنمية والاقتصاد والسياحة.
وهناك في الدوحة، حيث كانت التجربة مختلفة في ظروفها، لكنها كانت شديدة الثراء في دلالتها الوطنية. كان التحدي هو ألا يظل الاحتفال بذكرى 23 يوليو أو السادس من أكتوبر محصورًا داخل الجدران الرسمية، بل يصل إلى المدارس والطلاب وأبناء الجالية المصرية، وأن يشعر الطفل بأن هذه الأيام تخصه، وأنها جزء من تاريخه وهويته.
فكان الهدف الأسمى أن تحظى المناسبات الوطنية المصرية بمكانتها المرموقة ، وأن تُمنح الاهتمام الذي يليق بها، حتى أصبحت ذكرى 23 يوليو والسادس من أكتوبر مناسبتين حاضرتين في وجدان الطلاب، من خلال الاحتفالات والأنشطة المدرسية والإذاعات والعروض والمسابقات والأغاني الوطنية.
كنا نريد ألا يحفظ الطالب تاريخ الثورة أو النصر كإجابة في امتحان، بل أن يفهم معناهما، وأن يدرك أن الوطن تاريخ طويل وسجل حافل بكل معاني الانتماء والولاء، وأن ما ينعم به من هوية وكرامة واستقلال هو نتيجة تضحيات أجيال قادرة على العطاء.
في تلك الاحتفالات، رأيت مصر تقوم مرة أخرى في عيون أطفالها. رأيتها في طفل يرفع العلم، وفي طالبة تلقي قصيدة عن الوطن، وفي مجموعة من الطلاب يؤدون أغنية مصرية، وفي أب وأم ينظران إلى أبنائهما بفخر وحب وانبهار.
وهنا تكمن قيمة الإعلام التربوي؛ الذي يهدف إلى أن يكون أداة وعي ومسرحًا تربويًا لغرس الانتماء لا يتمعبر وسائله المتنوعة، وعندما نصنع للطفل تجربة وطنية جميلة، فإننا نغرس داخله معنى الانتماء دون أن نفرضه عليه، ونمنحه ذاكرة وجدانية ستبقى معه سنوات طويلة.
إن رسالة المركز الثقافي تتخطى حدود الأجواء التعليمية لتعبر عن حضارة بكل معانيها فهو بيت مصر في الخارج، ومنصة لنشر لغتها وفنونها وتاريخها، ونافذة تطل منها الشعوب على حضارتها.
كما أنه يمثل خط الدفاع الأول عن هوية الأجيال الجديدة من أبناء المصريين في الخارج. فهذه الأجيال قد تتحدث لغة البلد الذي وُلدت فيه أكثر مما تتحدث العربية، وقد تعرف تفاصيل مدينتها الأجنبية أكثر من معرفتها بمدن مصر، ومن هنا تصبح مسؤوليتنا أكبر في أن نقدم لهذه الأجيال حضارة الوطن وننقل لهم مآثره ومفاخره ، لتعزيز قيم الفخر والولاء والانتماء.
إننا نحتاج إلى أن تتحول المكاتب الثقافية إلى مراكز نشطة للدبلوماسية الحضارية المتنوعة، تنظم ورشًا عن الهوية والتراث، وبرامج لتعليم اللغة العربية، ومعارض للكتاب والفنون والحرف التراثية، وعروضًا للأفلام والدراما المصرية، ولقاءات مع رموز الفكر والإبداع، وأنشطة للأطفال تحت عنوان «اكتشف وطنك» و«كنوز مصر» و«مصر في عيون أبنائها».
كما يجب استثمار المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي في تقديم محتوى وطني حديث يخاطب الشباب بلغتهم، لغرس الانتماء في العصر الرقمي بوسائل الحديثة، من الصورة والفيديو القصير والبودكاست والجولات الافتراضية في المتاحف والمواقع الأثرية ممكن تكون دون شك أدوات أساسية في الترويج الوطني.
ويمكن لكل سفارة أو مكتب ثقافي أن يضع أجندة سنوية لربط أبناء الجالية بمصر، تشمل ثورة 23 يوليو، وانتصارات السادس من أكتوبر، وتاريخ الحضارة المصرية، والأعياد والمناسبات الثقافية، إلى جانب التعريف بمصر والجمهورية الجديدة ومشروعاتها وإنجازاتها وشبابها ومبدعيها، وحينها فقط لا يصبح الثالث والعشرون من يوليو مجرد ذكرى نحتفل بها، بل يومًا تقوم فيه مصر من جديد في عيون أبنائها.
إن الاحتفال بيوم 23 يوليو ينبغي ألا يكون نشاطًا ليوم واحد ينتهي بانتهاء مراسمه، بل بداية لبرنامج ثقافي وتعليمي يمتد طوال العام. فالمناسبات الوطنية تفتح نافذة للمشاعر، لكن مسؤوليتنا هي أن نحول هذه المشاعر إلى معرفة وسلوك وارتباط دائم بالوطن، ونؤكد أن مصر تستطيع بقوتها الناعمة وثقافتها وفنونها وتعليمها أن تظل حاضرة في وجدانهم، مهما ابتعدت بهم الجغرافيا.



















