د خالد غانم يكتب: سياحة مع كتاب ( المسرح التنموي ـ النظرية والتطبيق )، للدكتورة راندا رزق

سياحة قصيرة نقضيها مع كتاب ( المسرح التنموي ـ النظرية والتطبيق )، وهو أحدث إصدارات المركز القومي للمسرح والموسيقى؛ والذي يعتني بالمسرح ويناقش قضية من قضاياه، وهي بمثابة رسالته الهادفة في المجتمع، والكاتبة الأستاذ الدكتور راندا رزق أستاذ الإعلام التربوي بجامعة القاهرة، صاحبة المؤلفات المتنوعة حول رسالة المسرح التنموية، ورسالة الإعلام التربوية.
والكتاب يجمع بين الأسلوب الأدبي والمنهج العلمي، وقلما يتوفران في كتاب، وقد خاضت ـ أيضًا ـ المؤلفة تجربة فريدة تجمع بين النظرية والتطبيق للمسرح كأداة تنموية لا يمكن الاستغناء عنها، وصفحات الكتاب عبارة عن تجسيد للمقولة التي خلَّدها التاريخ: “أعطني مسرحًا وخبزًا أعطيك شعبًا عظيمًا” قيل إن قائلها هو الكاتب الكبير والشاعر وليام شكسبير، ومقولة أخرى للفيلسوف والمسرحى الفرنسى فولتير، وهي قوله: “فى المسرح وحده تجتمع الأمة ويتكون فكر الشباب وذوقه، وإلى المسرح يفد الأجانب ليتعلموا لغتنا لا مكان فيه لحكمة ضارة ولا تعبير عن أية أحاسيس جديرة بالتقدير إلا وكان مصحوبا بالتصفيق؛ إنه مدرسة دائمة لتعلم الفضيلة”.
ولهذا فالكتاب يقدم رحلة تعريفية وتأصيلية للمسرح التنموي (TFD) وهو الأداء الحي أو المسرح كأداة للتنمية – كما هو الحال في مجال التنمية الدولية، فهو تطور لأشكال المسرح (التفاعلي – التطبيقي) من الأقل تفاعلية إلى الأكثر، حيث يمارس المسرح – مع الناس أو بالناس – كوسيلة لتمكين المجتمعات، والاستماع إلى اهتماماتهم، ومن ثم تشجيعهم على إبداء الرأي وحل مشكلاتهم الخاصة.
وكما يقول الاستاذ الدكتور أحمد زايد أستاذ علم الاجتماع ومدير مكتبة الإسكندرية: وتحقق فصول الكتاب الهدف الذي نتوخاه من عنوانه، فتعرض موضوعات متنوعة تكشف عن سعة اطلاع المؤلفة وقدرتها على حشد أكبر قدر من الشواهد لتأكيد الفكرة التي تتطلع إلى بلورتها التي ترتبط بالعاقة بين المسرح وبين المجتمع؛ فثمة اهتمام ببلورة المفاهيم الرئيسة مثل مفهوم التغير الاجتماعي والثقافي والتنمية الثقافية، مع تأكيد حق الأفارد والشعوب في العيش في مجتمع يحقق قدرًا معقولا من التنمية.
والكتاب يتكون من أربعة فصول:
الفصل الأول: إشكالية التنمية بالمسرح وتناول عدة نقاط: مفهوم المسرح التنموي، وتحدثت بشيء من الاسهام عن نظرية التغيير الاجتماعي من حيث كون المسرح له القدرة على التأثير تربويًا في المجتمع وتنمويًّا، والكتاب تحدث عن الحق في التنمية،وبينت الكاتبة الأسس الفلسفية والأصول الثقافية للمسرح التنموى، والدور الواضح له في تغيير ثقافة الفرد
والفصل الثاني: المسرح بين الاتجاهات القديمة والحديثة
وتناول عدة نقاط من أهمها: التأثيرات التاريخية والثقافية والحديثة للمسرح التنموي، والاتجاهات الحديثة للمسرح التنموي
ثم تناول الكتاب أنواع العروض في المسرح التنموي، ولم تنس الكاتب ذكر المراحل التاريخية للمسرح كدور هادف وتنموي للمسرح، فتحدثت عن المسرح والتغيير في مصر، والفراعنة وفن المسرح، والعرب وفن المسرح، وختمت هذا الفصل بدور مصر البارز في المسرح؛ حيث إن مصر ملتقى المسرح العربي.
وكما أكدت المؤلفة في مقدمتها: وقد نشأ المسرح تاريخيًا كطقس يحاكي سلوك البشر معبِّرًا عن طبيعة حياتهم اليومية، وكفعل إنساني ناتج عن فكر بشري فرضه الواقع، بالإضافة إلى مروره بكثير من التغييرات في الشكل والمضمون والوظيفة، مرتبطًا بطبيعة ثقافة المجتمع الذي نشأ وترعرع فيه، سواءً كان ذلك بطريقة واعية أو غير واعية، مساهمًا بطريقة أو بأخرى في إحداث متغيرات اجتماعية في إطار وظيفته التي تميز بها منذ نشأته وتطوره عند الإغريق؛ وصولا إلى مرحلة ظهور الأشكال والأساليب المسرحية الجديدة التي أبرزها أبرزهما المسرح الملحمي والمسرح التنموي.
والفصل الثالث: اختبار قدرة المسرح على التغيير وتناول نماذج من مسرح المجتمع المحلى، وأمثلة على تأثير المسرح على التنمية، والتجارب الدولية للمسرح.
والفصل الرابع: نصوص حية من الواقع المصري
وتناول مسرحيات عديدة وهي: مسرحية حقي وحقك ، ومسرحية دفتر الأحوال الشخصية، ومسرحية أنت فاهم غلط، ومسرحية المشهد الأخير.
وكما ذكرت المؤلفة : ولعل أشكال المسرح التي تعنينا بالشكل الأكبر في هذا البحث هي الأنماط المسرحية القائمة على تطوير المجتمعات وتنميتها وإحداث التغيير الاجتماعي والثقافي والاقتصادي بها، ومن أمثلتها، المسرح التفاعلي أو التحفيزي الذي ظهر نتيجة لعوامل عديدة لعل أهمها أنه نشأ بالوازي مع الحركات المعارضة في أمريكا وأوروبا ما بعد عام 1968م، وأخذ في التطور مع الشكل الجديد للعالم والصراعات التي بدأت تحكمه وما ترتب عنها من مشكلات جمة كقضايا المهاجرين والصراعات الاقتصادية والحروب الإثنية وغيرها من المشكلات، وإن كان من الممكن أن نرصد التأثير المباشر لظهور هذه الصيغة المسرحية بربطها بظهور المجتمعات المدنية الحديثة التي باتت تبحث عن سبل جديدة موازية لمكافحة مشكلات العالم والتصدي للقضايا التي خلقتها العولمة.
وبهذه الفصول المكونة للكتاب يمكن إيضاح الجانب النظري والعملي للمسرح من حيث إنه أداة من أدوات التربية.
وفي نهاية المطاف نقول ـ كما قال الأستاذ الدكتور أحمد زايد في تقديمه للكتاب ـ ولا يسعني في نهاية هذا التقديم إلا أن أتوجه بالتهنئة للمؤلفة على هذا الجهد، وأؤكد على أن الاهتمام بالفنون عامة وبالمسرح خاصة يعتبر أحد الروافد الأساسية في بناء الأنسان الحديث، وفي الارتقاء بثقافته، ومن ثم فإنه يكون عن جدارة أحد الروافد الأساسية للتنمية.







