مقالات الرأى

د. حسن السعدي يكتب: التغير المناخي وتنامي السباق الدولي

فى الوقت الذى اتجه فيه العالم عن بكرة أبيه للتركيز على سبل مواجهة جائحة كورونا و تحجيمها، كانت هناك كيانات تفكر لما بعد الجائحة التى يعزى إليها الفضل فى إعادة إحياء مفهوم المداومة العلمية فى شتى المجالات. ولقد استهدف هذا التوجه تحجيم استهداف تضخيم العائد الإقتصادى و استثمار الثروات على حساب المعطيات البيئية وعلى رأسها التغير المناخى و تبعاته. هذا الأمر الحيوى كان الموضوع ألرئيس لمجلة “تايم” الأمريكية فى أحد أعدادها الصادرة مؤخراً و التى جعلت عنوانها الأساس “المناخ هو كل شىء: كيف يمكن للجائحة أن تقودنا إلى عالم أفضل و أكثر إخضراراً). كما اتخذ عنوان أحد مقالات هذا العدد من المجلة و الذى نحن بصدده؛ ” أعاد الوباء تشكيل كل ركن فى المجتمع، و الآن جاء دور المناخ”. و هى عناوين باتت صادمة لتتفق و حجم القضية المطروحة و أهميتها.

والمتابع لقضية التغير المناخى وأثره على مفرداتنا الحياتية سيجد أنه منذ قضية ثقب الأوزون؛ فإن أية قضية فى هذا المضمار لم تحظ بالإهتمام الذى يتسق و السباق المحموم فى تنامى اقتصاديات الدول الصناعية تحديداً، دون الأخذ فى الإعتبار ثأثير ذلك على الحياة الفطرية برمتها. حتى إن قضية الإحتباس الحرارى و نظيرتها الخاصة بالتلوث من مصادر الطاقة غير النظيفة ما زالتا يعالجان على استحياء. ولعل تعبير (البيئة الصامتة) ليحمل دلالة بالغة فيما يمكن أن تتعرض له البيئة من إندثار لكائنات كانت تمنحها تناغماً صوتياً بمعنى الوجود، بما قد يجعلها تستحيل إلى حياة خرساء تتلاشى منها و من ثم من القاموس اللغوى غير أصوات الطبيعة من الزئير إلى الحفيف.
​لقد ركز مقال المجلة على دق ناقوس الخطر من جراء التغير المناخى الذى بات من المسلمات الكونية منذ منتصف القرن الماضى و تداعياته على معدلات الإنتاج والهجرة و الجريمة و الصحة العامة ومن ثم الأمن القومى. و لم يكن مستغرباً أن يرى المعنيون بالقضية و على رأسهم آل جور نائب الرئيس الأمريكى السابق أننا أمام بداية لعصر جديد بات تغير المناخ فيه معناه تغيركل نظام، و من ثم ينبغى علينا جعل المخاطر البيئية المبدأ المنظم للحضارة. وبات تأكيد الإتحاد الأوروبى على مبدأ ” الوحدة المناخية” فى إطار إقتصاد جديد لهذا القرن مهمًا وجعل فيه تنامى خطته الإقتصادية الخمسية القادمة قائماً على المعطيات المناخية. وبقدر ما لقى الأمر اهتماما من الحركات الخضراء مثل “حركة الشروق” التى نبهت لخطورة الموقف شمولياً بالتصريح أننا نحتاج لعقود لإعادة إحياء الإقتصاد ووقف التغير المناخى والتأكيد على المساواة العرقية و الإقتصادية.
ولم يمر مرور الكرام ما تم التوصل إليه فى علاقة الإحتراق بإرتفاع الحرارة بعدما أكدت الدراسات أنه سيقل بنسبة واحد فى المائة فقط عام 2030. وقد أنفقت بعض دول العالم مئات الملايين لأجل تحويل طاقة مصانعها إلى تكنولوجيا الطاقة النظيفة كهربية كانت أم شمسية.
​ومما لا شك فيه أن هذه القضية بعامة قد صارت ركيزة للعلاقات الدولية بشقيها التعاونى و التنافسى فى ضوء موضوعات على غرار مساعدة الدول النامية و ربط التجارة بالمناخ و توقيع العقوبات المتدرجة عند استخدام الوقود التقليدى بدلاً من الطاقة النظيفة مثالاً لا حصراً. ونظراً لأن رؤية الخبراء ترمى لكون المؤثرات الإيجابية على كوكبنا تمثل الأمل الحتمى فى غد أفضل؛ فقد بات السؤال عن موقفنا من هذه القضية الحيوية كسكان لذات الكوكب. وحتى أكون منصفاً فأحسب أننا إن لم نستطع المساهمة فيكفينا المواءمة، بمعنى أنه إن كان السباق العلمى المحموم حيال التغير المناخى قد قطع أشواطاً متسارعة، فليس أقل من مواءمة أحوالنا بالشكل الذى يحفظ علينا بيئتنا ويدرجنا طواعية فى “التوحد المناخى”. لنلحق مقعدًا مرموقًا في قطار الإنسانية وإن لم نحصل منه على تذاكر الدرجة الممتازة سيصير مصير البعض منه في السبنسة.

أ د/ حسن السعدي
أستاذ الحضارة المصرية القديمة
كلية الآداب – جامعة الأسكندرية

زر الذهاب إلى الأعلى