لم تعد الحروب كما تعلمنا وقرأنا عنها من قبل عبارة عن جيوش توجه بعضها البعض ، وبالتالى لم تعد “المعارك” التى تخوضها بعض الدول تحمل نفس الشكل والمضمون ، فمع التقدم الهائل والتغير السريع فى تفاصيل الحياة على كوكب الأرض .. تغيرت كافة الأشياء على نحو كبير ، يفوق فى كثير من الاحيان قدرة العقل البشرى على الإستيعاب أو مجرد حتى التسليم بالأمر الواقع ، خاصة فى ظل سيطرة ” الذكاء الإصطناعى” على كل شئ تقريباً ، بعد أن كانت مثل هذه التقنيات مجرد نوع من الخيال العلمى تناولته كثيراً السينما العالمية فى سنوات سابقة وخطفت من خلاله الانظار نحو هذا الشبح المخيف المغلف بسياسات وتوجهات هوليوود التى صنعت مجد السينما الأمريكية من خلال قدرتها الهائلة فى التمثيل تارة وعبقرية وسطوة الخدع البصرية تارة أخرى .
والحق يقال فإننى لم أشأ أن اتناول هذا الأمر من قبيل استعراض ما وصلت اليه البشرية من تطور وتقدم هائل فى التكنولوجيا فحسب ، بل اتناوله وأكتب عنه بشئ من الحيرة والحذر من شبح تلك الحرب الباردة التى يشهدها الفضاء السيبرانى الآن وعلى وحه الخصوص بين الصين من جهة والمعسكر الغربى من جهة أخرى .. فهناك حرباً باردة ومعارك حامية الوطيس تدور الآن بين المعسكرين ، واللافت للنظر أنها لم تتحرك فيها ولو قطعة عسكرية بحرية واحدة أو نسمع فيها عن صاروخ تم إطلاقه فى الجو ولو على سبيل استعراض القوة باستثناء حكاية المنطاد الصينى التى صدرها الاعلام الغربى على أنها قضية تجسس .
واللافت للنظر فى هذه الحرب الباردة أن ذخيرتها الحقيقية هى “التكنولوجيا” ومدفعيتها الثقيلة تتمثل فى تقنيات الذكاء الإصطناعى التى لم تعد ضرباً من الخيال كنا كنا نعتقد من قبل وكنا نرى أنها نوع من الفانتازيا الجميلة.
لقت ترقفت طولاً أمس أمام تقرير مقروء ومرئى بثته إحدى المواقع الاخبارية الشهيرة يفيد بأن الصين والعالم في حرب باردة ذخيرتها التكنلوجيا وظاهرها الأمن وباطنها قد يكون الاقتصاد والتجارة.
والشئ الغريب فى هذا التقرير شديد الأهمية أنه تناول على وجه الخصوص تطبيق تيك توك الاشهر فى العالم مشيراً الى أن هذا التطبيق الصيني تكمن مهمته الأساسية فى التجسس على الغرب .. وبالتالى لجأت حكومات كندا، وأميركا وأوروبا إلى حظر التطبيق بمزاعم تهديدات تقول هذه الدول بشكل واضح وصريح أنها “أمنية” بينما يرى البعض أنها تهديدات اقتصادية.
ويستعرض التقرير قصة حظر “تيك توك ” في أمريكا مشيراً الى أنها تعود لعهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عندما قرر حظر تيك توك عام 2020 بزعم أن تيك توك يهدد الأمن القومي الأمريكي، ولكن هذا القرار الغريب شكلاً ومضموناً لم يدخل حيز التنفيذ وظل حبراً على الورق حتى انتهاء فترة حكم ترامب .. ولكن مؤخراً وجه البيت الأبيض الوكالات الفدرالية بحظر التطبيق للسبب نفسه. وانتهجت كندا نفس الخطوة، وحظرت المفوضية الأوروبية التطبيق على أجهزتها بالفعل ، مما دفع العديد من الخبراء الى الإعلان وبشكل واضح وصريح أن هذا الأمر يأتي ضمن حرب المعلومات بين الصين والغرب.
الى هنا انتهت تفاصيل هذا التقرير الصحفى “الصادم” للكثير من عشاق تطبيق “تيك توك” حول العالم . . ولكن الاسئلة لم تنته بعد .. فهل فعلاً الصين تستخدم هذا التطبيق للتجسس على العالم . وهل يمكن ان نشهد مستقبلاً ادوات اخرى نقتنيها فى اجهزتنا المحمولة ونتعامل معها كونها مصدراً للترفيه والتسلية بالتكنولوجيا الحديثة بينما هى فى حقيقة الأمر مجرد قطعة سلاح تستهدف أى مكان فى العالم بالشكل والآلية التى يراها من يوجهها ويحركها عن بعد لخدمة اهدافه وطموحاته التى هى فى الغالب من أجل الإستحواز على العالم دون أن يطلق ولو قطعة ذخيرة واحدة بمفهومها التقليدى.









