
تُعدّ الرياضة اليوم أحد أهم بوابات الريادة والتنمية الشاملة، ليس فقط بوصفها نشاطاً بدنياً، بل باعتبارها قوة ناعمة تُسهم في بناء الإنسان وتحفيز طاقات الشباب وتعزيز مكانة الدول على الساحة الدولية.
وانطلاقاً من هذا الإدراك العميق لدور الرياضة، حرص الرئيس عبد الفتاح السيسي على متابعة هذا الملف الحيوي بصورة مباشرة، حيث عقد اجتماعاً خصصه لمناقشة سبل دعم الرياضة وتمكين الشباب، مؤكداً أهمية الارتقاء بالبنية التحتية الرياضية وتطوير البرامج الوطنية لاكتشاف المواهب، بما يعكس رؤية الدولة نحو تحويل الرياضة إلى رافعة للنجاح المجتمعي وصناعة أجيال قادرة على المنافسة والتميز.
فحين ننظر إلى الرياضة من منظورٍ شامل، نرى فيها مدرسةً تُخرِّج الأبطال في أجسادهم، كما تُخرِّج القادة في عقولهم وأخلاقهم.
الرياضة سبيل الريادة لأنها تُعيد صياغة الإنسان من الداخل قبل الخارج؛ فهي تُهذِّب النفس، وتُقوِّي الإرادة، وتغرس في القلب قيمة العمل الجاد والمثابرة.
ومن يقف في ساحة التدريب، ويُقاوم التعب والألم، يُدرك أن النصر لا يُمنح، بل يُنتزع بالجهد والإصرار، والريادة كذلك، لا تأتي هدية من أحد، بل هي ثمرة جهدٍ متواصلٍ لا يعرف الكلل.
ومن يعتدّ بنفسه في الملعب، ويقود زملاءه بروح الفريق، سيعرف كيف يقود في حياته العملية والاجتماعية بالروح ذاتها، وهي تُعلّم المرونة الذهنية والقدرة على التكيّف؛ فالمباراة لا تسير دائمًا كما نريد، لكن الرياضي الحقيقي يتعلّم كيف يتعامل مع التحديات، وكيف يُحوّل الهزيمة إلى دافعٍ للانتصار، وهذه صفات كل رائدٍ ناجحٍ في أي مجال من مجالات الحياة.
ولا جدال في أن الرياضة طريق إلى التفوق المجتمعي، فالأمم التي تضع الرياضة في قلب برامجها التنموية تُدرك أن الاستثمار في الإنسان هو أعظم استثمار، والرياضة كما تصنع الأجساد السليمة والعقول المتقدة، فإنها تغرس في المجتمع روح التعاون والانتماء.
وحينما نرى شبابًا يركضون في المضمار، أو فتياتٍ يتسابقن في ميادين الإبداع الرياضي، فإننا لا نرى مجرد منافسة، بل مشهدًا من مشاهد النهضة، فهؤلاء هم بناة المستقبل والمعول عليهم لقيادة المجتمع، في ميادين العمل والعلم والابتكار.
ولا يمكن التغافل عن أثرها في بناء العزيمة، فالوقوف على منصات التتويج لا يأتي صدفة، بل بعد عديد المرات من المحاولات والسقوط والنهوض، والرياضة تُعلّمنا أن الريادة لا تُقاس بعدد مرات النجاح، بل بعدد المرات التي ننهض فيها بعد الفشل، إنها معركة مع الذات قبل أن تكون منافسة مع الآخرين، ومن انتصر على نفسه في ميدان الرياضة، سهل عليه أن ينتصر في معترك الحياة.
ولعل ما نلمسه واقعًا من عدم تقلد مصر، لمكانتها المرجوة والمأمولة، على الساحة الرياضية، يستلزم حتمية التغيير في إدارة الملف الرياضي.
ولأنّ الرياضة هي طريق الريادة، فإن إدارتها لا تقل أهمية عن ممارستها، لقد آن الأوان لمراجعة شاملة للمنظومة الرياضية في بلادنا، ولإعادة النظر في القيادات التي تولّت هذا الملف الحيوي.
فالإخفاقات المتكررة، والتراجع في الأداء، وغياب الرؤية الاستراتيجية الواضحة، ليست مجرد عثرات عابرة، بل مؤشرات على فشل إداري عميق انعكس على نتائج المنتخبات والأبطال، وأساء لصورة مصر التي تستحق أن تكون في المقدمة دائمًا.
إنّ استمرار بعض الشخصيات التي أثبتت التجارب ضعف كفاءتها وافتقارها للحس القيادي، لم يعد مقبولًا في زمنٍ تتسابق فيه الأمم نحو التميز.
فحين نرى دولًا شقيقة أو أخرى ذات إمكانيات محدودة تحقق إنجازات رياضية عالمية، بينما نمتلك نحن تاريخًا عريقًا وبنية قوية وإمكانات بشرية ضخمة، ندرك أن الخلل ليس في اللاعب ولا في الموارد، بل في الإدارة والتخطيط والحوكمة.
إنّ الريادة الرياضية لا تتحقق بالشعارات، بل بالكفاءة والنزاهة والعمل المؤسسي، ولا يمكن أن نطالب اللاعبين بالبطولات في ظل بيئة إدارية مرتبكة تفتقر إلى الشفافية والمساءلة.
ولذلك، فإنّ إزاحة الشخصيات غير القادرة على النهوض بالملف الرياضي ليست خيارًا تكميليًا، بل ضرورة وطنية تمليها المصلحة العامة، وتفرضها مكانة مصر وتاريخها الرياضي المشرّف.
في السنوات الأخيرة، دفع الفشل الإداري المزمن داخل بعض المؤسسات الرياضية، وما يرافقه من محسوبية ووساطة وتوريث للمناصب، عدداً من المواهب المصرية الشابة إلى البحث عن فرص أكثر عدلاً واحترافية في دول أخرى، حتى وصل الأمر إلى التجنس بجنسيات أجنبية لضمان مسار رياضي يليق بقدراتهم.
لقد أصبح هذا المناخ الإداري الطارد عقبة حقيقية أمام بقاء المواهب وصعودها، إذ يفتقر إلى الحوكمة والشفافية ويُغلق الباب أمام الكفاءة لصالح العلاقات.
ومن هنا تبرز حتمية التغيير وإعادة بناء المنظومة الرياضية على أسس من الاحتراف والإدارة السليمة، حتى تستعيد مصر أبناءها وتستثمر في طاقاتهم بدلاً من خسارتهم، فالتجديد القيادي، وضخّ دماء جديدة تحمل فكرًا علميًا وإدارة احترافية.
والحقيقة، تظهر أحياناً محاولات موجّهة تهدف إلى تخريب المناخ الرياضي وبث الفرقة بين عناصره، فهناك من يسعى بدوافع تتقاطع مع مصالح خارجية، إلى تشويه صورة الرياضة المصرية وإضعاف تماسكها الداخلي، أملاً في زحزحة مصر عن موقعها القيادي لصالح دول أخرى تطمح إلى أن تحل محلها.
في نهاية الطريق، تظل الرياضة أكثر من مجرد نشاطٍ بدني؛ إنها فلسفة حياةٍ تقوم على الإصرار، والانضباط، والعمل الجماعي، والإيمان بالقدرة على التغيير، ومن سار على دربها، أدرك أن الريادة ليست حلمًا بعيدًا، بل ثمرةُ جهدٍ متواصلٍ وروحٍ لا تعرف الاستسلام.







