أخبار ومتابعات

العمل الخيري.. إلهام وتأثير في المجتمع

تحقيق: مشير الخضراوي

يعد العمل الخيري من أعظم مظاهر الإنسانية، إنه قوة تجمع الأفراد والمجتمعات للعمل سوياً من أجل مصلحة الآخرين، ويخلق جسوراً تتجاوز الحدود والثقافات. إن العمل الخيري ليس مجرد فعل إنساني، بل هو عمل يحمل في طياته الأمل والتغيير.

ونستعرض من خلال هذا التحقيق آراء عدد من الخبراء والمختصين حول أهمية العمل الخيري وتأثيره على المجتمعات والأفراد.

 

العمل الخيري ضرورة للترابط المجتمعي

 

يرى الدكتور علي علي أحمد شعبان الأستاذ بكلية اللغات والترجمة  جامعة الأزهر، أن  من أهم المبادئ التي أقرها الإسلام لإقامة مجتمع تسوده المحبة والوئام هو مبدأ “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان”. ولما كان مفهوم البر مفهوما واسعا يشمل كل مناحي الحياة، لم يقتصر على جانب معين من جوانب الحياة، ولا على شريحة واحدة من شرائح المجتمع، بل شمل كل من يعيشون في الجوار من أهل وجيران وغيرهم. ومن ثم، لم يُرخَّص للمسلم أن يقصر بره على أهله وذويه فحسب، بل تعدى ذلك إلى الأعداء، ومن هنا نفهم قول الحق تعالى “ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا”، إذ إن الأسرى إنما يكونون من الأعداء المحاربين، ومع ذلك، مدح الله تعالى المسلمين بأن من شيمهم ألا يحرموا هؤلاء الأسرى من برهم. وهذا قمة العمل الخيري الذي لا شبهة فيه لمحاباة ولا مجاملة، بل هو عمل خالص يقصد به وجه الله تعالى الذي وعد عامله بالثواب وحسن الجزاء “وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم” وهو الذي يجزي به. إن العمل الخيري لم يقتصر في المفهوم الإسلامي على البشر وحدهم، بل تعداه إلى الحيوان، فيخبرنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأن امرأة دخلت النار في هرة أمسكتها، فلا هي أطعمتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض، وأن رجلا دخل الجنة في كلب وجده يلهث من العطش، فملأ خفه، فسقاه، فشكر الله له.

العمل الخيري.. إلهام وتأثير في المجتمع

والعمل الخيري قد يكون ماديا على النحو الذي ذكرنا، وقد يكون معنويا، فإدخال السرور على نفس مهمومة، ومسح دمعة يتيم، وتفريج هم شخص، وجبر خاطر نفس مكسورة، ورفع حمل ثقيل لعامل ضعيف، وإرشاد المستدل على حاجته، والكلمة الطيبة التي تزيح هما وتبشر نفسا بالخير، والأمر بالمعروف يعد من أفضل أعمال الخير التي دعينا إليها وأمرنا بها.
وقد روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: “من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه”

 

العمل الخيري يساهم في تحقيق التنمية المستدامة

 

بينما تؤكد الدكتورة راندا رزق الأمين العام للمجلس العربى للمسئولية المجتمعية أن العمل الخيري يشمل. كل الأنشطة الإنسانية والخيرية، التى تصب فى صالح الأفراد والمجتمعات سعيًا نحو تحقيق تنمية حقيقية ومستدامة.

وأن العمل الخيري ضمن الأعمال الإنسانية التي يعود نفعها على الفرد والمجتمع، ووواجب الوقت يستدعي تنمية الوعي الفكري والتشاركي لمفهوم فلسفة العمل الخيري. موضحة رزق أنها تحرص دائما على دعم الأعمال الخيرية والتطوعية التي تخدم المجتمع وتسهم في إدخال الفرحة في قلوب الأسر الأولى بالرعاية والأقل حظًا.

العمل الخيري.. إلهام وتأثير في المجتمع

وأن الحادثات التي تمر بالمجتمع أيقظت الوازع الفكري نحو مسئولية الإنسان والمؤسسات نحو المجتمع، وكانت شارة البدء للمبادرات المجتمعية التي التي تدعم المسئولية المجتمعية للمشاركة في توفير الدعم الغذائي الأسر الأولى بالرعاية، ورعاية ذوي القدرات الخاصة وتوفير سكن كريم.

فالمسؤولية المجتمعية واحدةً من دعائم المجتمع المهمة ووسيلة من وسائل تقدم الشعوب، حيث تقاس قيمة الفرد في مجتمعه بمدى تحمله للمسؤولية تجاه نفسه وتجاه مجتمعه؛ لتحقيق عملية التنمية المستدامة بمفهومها الواسع وأبعادها المختلفة وكل ما يترتب عليها من تغيرات هو الدور الأصيل للمسؤولية المجتمعية والمسؤولية الوطنية، ذلك الدور الذي إذا ما تم بشكله الصحيح ستتحقق التتمية المرجوة في المستقبل القريب.

 

العمل الخيري مركوز في الفطرة الإنسانية

 

بينما ذكر الدكتور خالد السيد غانم أن الخير والشر ظهر بنشوء الكون وبدء الحياة على الأرض، فعلى قِدم ظهور الخير والشر في الأرض وأزلية التصارع بينهما ، نرى الخير هو الغَالب، و على قدر الكم الصغير الذي قد يصدر من الإنسان فيعظمه أو يراه صغيرًا نرى حجم العمل الصادر من الإنسان وما ينتج عنه من نفع أو ضر.

إذ إن الخير مركوز في الفطرة الإنسانية وأصيل في الطبيعة البشرية، وهو منجاة الإنسان من الحوالك، ومفرج له من الضوائق، ولعل قصة النبي زكريا عليه السلام خير دليل على تنزل الخير إثر العمل الإنساني المفيد قال تعالي: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ*فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ). “سورة الأنبياء، آية: 89-90”.

العمل الخيري.. إلهام وتأثير في المجتمع

وأضاف أن أعظم العمل الإنساني هو الذي يصب في نطاق بناء القدرات، وتنمية المواهب، وتوفير الإمكانات ، فهو الوسيلة الأكيدة لتعزيز التنافس العالمي وزيادة النمو الاقتصادي القائم على المعرفة والتعاون؛ وهو بمثابة ركن أساس لنجاح التنمية المستدامة المطلوبة؛ حيث إنه من الطبيعي أن يتم استنفار الهمم لرؤية واقعية من بناء الوعي لمفهوم العمل الإنساني لدى جيل، ينبغي أن نساعده ؛ بل نفتح له الأبواب؛ كي يجمع بين مستوى عال من الكفاءة، ويكون مسلحًا بكل أسلحة العصر الحديث؛ وذلك حتى تتواكب العقول مع مستجدات العصر، وتتلاءم مع السلم الحضاري؛ وفِي كل وقت يتأكد بقوة أن العمل الإنساني هو بناء للإنسان وبناء للأوطان، وأن الوطن يبنى بالعقول المعطاءة والسواعد القوية.

وذكر غانم أن العمل الخيري متنوع المآرب، ومتعدد العلائق؛ ذلك لأن النوايا متنوعة، والطوايا مختلفة، فثمة عمل يعود نفعه على صاحبه، وهذا له مثوبة، وثمة عمل يشمل نفعه الفرد والمجتمع وهذا له فضيلة، ومن ثم نرى الفقهاء أجملوا هذا المعنى بالقاعدة المشهورة: ” العمل الذي يتعدى نفعه مقدم على العمل الذي لا يتعدى نفعه، والسنة النبوية ترسم لنا صورا لهذا العمل، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي اللع عنهما أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً ، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا ، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ شَهْرًا ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ ، وَمَنْ كَتَمَ غَيْظَهُ ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ ، مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِضًا ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يُثْبِتَهَا ، أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامُ .”

 

العمل التطوعي مقصد إسلامي أصيل

وذكرت الدكتورة هدى درويش أستاذ الأديان المقارنة أن العمل التطوعي مقصد إسلامي أصيل وعمل إنساني بيل، لا ينبع إلا من شخصية لها سمات خاصة تحمل في طياتها توجهات روحية وذهنية سامية، وتتميز بالقدرة على العطاء والتضحية من أجل الآخرين، بل إنها تتحلى بالقدرة على إيثار الآخر، وتعد هذه الشخصية مضرب المثل إذا لم تفرق في الإيثار والعطاء بين أبناء المجتمع على أساس الجنس أو النوع أو الدين، بل إن عطاءها يشمل الحيوان والنبات.

العمل الخيري.. إلهام وتأثير في المجتمع

ولا أعني التركيز على احتياجات الغذاء والملبس والمسكن.. وإنما العمل الخيري الذي يمتد إلى بناء الفرد روحيا وعقليا وفكريا وصحيا.. وصولا إلى إنسان نافع لمجتمعه مؤهل لحياة كريمة.

والعمل الخيري الإسلامي تمتد جذوره إلى عصر الرسالة في حلقات مترابطة وممتدة عبر التاريخ حيث قدم للبشرية دروسا عظيمة في العطاء والبناء، بداية من العصر النبوي والجيل الراشد والدولة الأموية والعباسية والمملوكية والعثمانية وصولا إلى عصرنا الحالي الذي يحتاج إلى مزيد من الترابط والعطاء والتآلف والبذل؛ اقتداءً بالأجيال السابقة، وارتقاءً بالإنسان، وحفظا لكرامته ومكانته في المجتمعات.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى