أخبار ومتابعاتمقالات الرأى

د. فايد محمد سعيد يكتب: انبعاثُ الرجاءِ من قلبِ اليأس — قراءة وجدانية في قصة زكريا عليه السلام

مقالات للرأي

 

 

ليس في القرآن “قصص” بالمعنى المتعارف عليه، ولا حكايات تُروى لملء الوقت أو لتمضية فراغ الفكر؛ إنما هي نبضات حياة وأسلاك نور تمتدّ من السماء إلى القلب مباشرة، لتعيد تشكيل وعي الإنسان، وتغسل روحه من غبار الواقع. وما سمّى اللهُ سبحانه وتعالى ما يورده من أخبار الأمم والأنبياء أحسن القصص إلا لأنها قصص تعيد للإنسان إنسانيته، وتمنحه القدرة على أن يرى ما وراء العادة، ويستشعر ما فوق الحسّ.

إنها قصص ترسم للإنسان طريقًا يتعلّم فيه كيف يحيا، وكيف يصبر، وكيف يحلم، وكيف ينهض من بين ركامه.

وفي قلب هذا الشعاع القرآني تقف قصة زكريا عليه السلام، نقيّةً كالدعاء الأول، رقيقة كرجفة القلب حين يرجو، عميقة كأثر الإيمان حين يلامس المستحيل.

شيخوخة الجسد… وطفولة القلب

كان زكريا عليه السلام شيخًا أثقلته السنون، وارتعش عظمه تحت وطأة الزمن، واشتعل رأسه شيبًا، لكنّ قلبه—ذلك اللطيف الخفي—كان لا يزال طفلًا يطرق أبواب السماء. لا يكلّ، ولا ييأس، ولا ينطفئ.

وحين يرى الإنسانُ نفسه وقد تكسّرت أسباب الدنيا بين يديه، يتردد في رفع حاجته إلى ربّه، يخشى أن يخونه ضعفُه، أو يخاف أن يتهمه الناس بالوهم. لكنّ الأنبياء يعلّموننا درسًا آخر: إن ضعف الجسد لا ينبغي أن يضعف الأمل، وإن شيب الرأس لا يطفئ نور القلب.

وفي غمرة هذا الضعف البشري، شاء الله أن يفتح لزكريا نافذة صغيرة من نور…
نافذة تغيّر مصائر.

فاكهةٌ تهدم المألوف… وإجابةٌ توقظ القلب

فاكهة الصيف تنام بين يديها في عزّ الشتاء، وفاكهة الشتاء تستريح على ثوبها في حرّ الصيف.

وقف الشيخ الجليل متعجبًا…
ليس لأن الفاكهة كثيرة، بل لأنها تخالف قانون الأشياء.
الله وحده قادر على أن يأتي بالثمر خارج موسمه، وبالعطاء خارج زمنه، وبالفرج خارج حساباتنا الضيقة.

فسأل زكريا سؤالًا بريئًا، سؤالًا يشبه دهشة القلب حين يلتقي بالمعجزة:

﴿يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا﴾؟

فأجابته بموسيقى نورانية لا تستطيع النفس إلا أن تُصغي إليها:

﴿هو مِنْ عِندِ الله﴾
ثم قالت، وكأنها تُضيف لمسةً من طمأنينة السماء:
﴿إنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

كانت كلماتها كقطرة مطر سقطت على صخرة يابسة…
فانبجس منها نبع.

لحظة الانقلاب: حين تذوب الأسباب في قدرة المسبّب

في تلك اللحظة أدرك زكريا أن الله لا يُسأل عن كيف، ولا متى، ولا لماذا…
وأن ما تحكم عليه الدنيا بالمستحيل، يفتحه الله ببساطته المعهودة: كن.

انتقل قلبه فجأة من ضيق الأرض إلى سعة السماء.
وانهارت أمامه كل الأسوار التي بنيناها نحن حول أنفسنا باسم العقل والواقع والعادة.

عندها…
لم يَعُد الطلب جريئًا، بل صار ممكنًا.
لم يَعُد الحلم غريبًا، بل صار قريبًا.

ورفع يديه المرتعشتين، وربما خجلًا من ضعفه، دعا دعاءً خفيًّا.
صوتٌ لا يكاد يُسمع، لكنّ الله يسمعه قبل أن ينطق:

﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾.

لم يقل أعطني، بل قال هب لي…
لأن الهبة عطاء لا يُقاس باستحقاق.
ولم يقل مني، بل قال من لدنك…
لأنك أمام بابٍ لا يفتح إلا بأمر صاحبه.

الدرس الذي يبقى: لا تسجن نفسك داخل أسوار واقعك

قصة زكريا ليست قصة رجلٍ طلب ولدًا…
إنها قصة رجلٍ حرّر رجاءه من سجن الواقع.

قصة تقول لك:
• لا تجعل العالم يُقنعك أن الممكن محدود.
• لا تجعل العادة تُخيفك من الحلم.
• لا تجعل الأسباب تُنسيك صاحب الأسباب.
• لا تجعل اليأس يُربيك على الخضوع.

فربك الذي يأتي بفاكهة الصيف في قلب الشتاء،
قادرٌ أن يأتي لك بما ظننته ضائعًا، وبما حسبته بعيدًا، وبما اعتقدت أنّه انتهى.

إنه يقول لك من خلال قصة زكريا ومريم:

ارفَعْ حاجتك، ولو خافتًا…
ارفَعْ رجاءك، ولو مستحيلًا…
وارفَعْ قلبك فوق حدود المنطق…
فما عند الله أعظم مما تتخيّل.

خاتمة وجدانية

إنّ القصص القرآني ليس تاريخًا نقرؤه، بل هو أُنسٌ نعيشه، وإيمانٌ يتجدّد، ونورٌ يطرق أبواب الروح.
وقصة زكريا عليه السلام من أرقّ ما يعلّم الإنسان كيف يتجاوز نفسه، وكيف يسمع رجفة الأمل وهي تنبعث من بين الرماد.

وحين نقرأ: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾، ندرك أن الله لا يحدّثنا عن زمنٍ مضى… بل عن قلبٍ يمكن أن يولد من جديد

زر الذهاب إلى الأعلى