أخبار ومتابعاتمقالات الرأى

د راندا رزق تكتب: التسول بين ثقافة العطاء العشوائي والعطاء المؤسسي.

مقالات للرأي

 

التسول سلوك يعبر عن طلب واستجداء من إنسان آخر دون حاجة، وهذا الطلب لا ينحصر في الأمور المادية فحسب؛ بل يتعداه إلى الأمور المعنوية، والتسول يعد من الظواهر الاجتماعية التي تهدد المجتمعات ويعطي صورة سيئة عن المجتمع؛ حيث يعبر عن سلوك مشين، ويصور حالة من الركون والركود عن العمل، وانتشار نسبة البطالة، كما أن التسول يعد من الأسباب التي تزيد من نسب الجرائم في العالم، وهذا الاستغلال المنظم لهذه الظاهرة ناقوس خطر يدق أجراس إنذار للمجتمع، لأنه انتقل من تصرف فردي إلى سلوك تمتهنه شبكات إجرامية توظف بعض النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة كـ”أدوات” للتسول، مستغلة تعاطف الإنسان المعطي مع مثل هذه الحالات.
وظاهرة التسول انتشرت في المجتمعات لعدة أسباب اجتماعية واقتصادية وسلوكية، ومنها ارتفاع نسبة الفقر والبطالة في المجتمع، أو ركون البعض إلى سهولة الحصول على الرزق ـ بعدم العمل ـ والاكتفاء بطلبه عن طريق التسول، وهذا ما جعل البعض يلجأ إلى هذا السلوك المشين واعتباره تجارة سريعة مربحة، وقد يكون السبب ظهور التسول في صورة سلوك متوارث واتخاذه مهنة مستدامة؛ مما أصبح التسول بمثابة المرض النفسي الذي يعاني منه بعض الأفراد، وقد يدفع الإدمان على المخدرات وغيرها الشخص إلى التسول وطلب مساعدة الآخرين كذبًا وافتراءً، مما يجعل الإدمان عاملاً من العوامل المسببة لهذه الظاهرة.
كما لا يمكن أن نغفل أن هناك حاجة قد تكون حقيقية تدفع البعض إلى السؤال وطلب الحاجة، وذلك من ضرورات ملحة وعلاج مرضى وغير ذلك، لكنه في الغالب من يمر بهذه الظروف الملحة لا يلجأ إلى السؤال بل يظل متعففًا راضيًا قانعًا.
ومما يمكننا التأكيد عليه أن التسول لا يقف عند حد التسول الظاهري؛ بل امتد في صورة موازية ليظهر نوع آخر وهو التسول الإلكتروني، وذلك مـن خلال الشبكة العنكبوتية وتطور وسائل الاتصالات؛ حيث ظهرت طريقة جديدة للتسول عُرفت بظاهرة التسول الإلكتروني وهي الوجه الآخر لظاهرة التسول التقليدي الذي يراه في بعض الطرق والشوارع والمواصلات، والأخطر في هذا الجانب هو أن المتسول في هذا النوع يكون مجهول الهوية، حيث يتخذ البريد الإلكتروني أو مواقع التواصل وغرف الدردشة منصة إلكترونية ومكانًا للتسول وابتزاز الناس.
صحيح أن هناك فئة تضررت من هذه الظاهرة وهم الفقراء الحقيقيون، ومن ثم فالفقر الحقيقي هو سلوك يعبر عن حاجة حقيقية للبعض ، أما التسول فهو لا يعبر عن حاجة حقيقية، بل ادعاء وافتراء؛ لأن نسبة كبيرة من المتسولين اليوم هم مدَّعُون، يستغلون عواطف الآخرين لتحقيق مكاسب مادية سريعة، وهذا يؤدي إلى تشويه الصورة الجمالية للمجتمع، ويتعداه إلى (تآكل الثقة الاجتماعية)؛ وذلك عندما يكتشف الفرد أن معظم المتسولين ليسوا بحاجة حقيقية؛ مما يُضعف الروح التضامنية، ويصبح الإنسان المحب للعطاء مترددًا في تقديم العون للآخر مخافة استغلاله؛ وهذ لا يجعلنا ننكر أن بعض حالات التسول ـ وهي قليلة ـ ناتجة عن فقر حقيقي أو بطالة مُزمنة تدفع الأفراد إلى طلب المساعدة كملاذ أخير.
إن هنـاك عدة آليات ووسائل تسهم في الوقاية من التسول، ومنها توفـير فرص عمل تناسب كل محتاج أو فقير حتى لا يلجأ إلى التسول للفقراء الحقيقيين ومساعدتهم من خلال مراكز وجمعيات ومؤسسات خيرية تساعد الفئة الفقيرة، مما يعطي صورة حقيقية مفادها أن من يقف في الطرقات لا يسأل عن حاجة بل إنه يقوم بابتزاز الناس، ومع الدور المجتمعي يظهر الدور القانوني حيث العـمل على فرض عقوبات مفعلة تفيلًا حقيقيًّا على كل من يُقبل على التسول وذلك بحسب قانون كل دولة، وكذلك توفير الضمان الاجتماعي لكل فرد غير قادر على العمل.
وهناك جانب يتعلق بالمعطي وهو أن يمنع عطاءه عن المتسول، ويوجهه إلى الأماكن التي تقوم بمساعدته، يقول الإمام مالك بن أنس: “لا تُعْطِ الصدقةَ إلا لمن يستحقها، فإنك إن أعطيتَها لغير مستحقها فقد ظلمتَ من يستحقها”؛ لأن التصدق على غير المستحقين ليس مجرد خطأ اقتصادي، بل ظلمٌ للمحتاجين الحقيقيين الذين ينتظرون يد العون والمساعدة حينما تشتد بهم الأزمات.
وفي الحقيقة مواجهة التسول ليست مسؤولية الدولة وحدها؛ بل هي التزام أخلاقي على كل فرد أن يسهم فيه برفض الصدقة العشوائية، وعدم التساهل في العطاء للمتسولين الوهميين ، والإبلاغ عن الحالات المشبوهة، ودعم البرامج التي تُعيد للمحتاج كرامته بالعمل الجاد، والمشروعات الصغيرة المثمرة؛ وهذا يجعلنا بحاجة إلى نشر ثقافة التحول من العطاء العشوائي إلى العطاء المؤسسي عبر المنصات الرسمية المركزية المعتمدة؛ لأن ظاهرة التسول تبقى من الظواهر التي تهدد أمن المجتمع واستقراره، كما أنها تدلل على دناءة صاحبها، والذي لا يهتم بصورته كيف تظهر في نظر المجتمع، فما أجمل أن يكون الإنسان عزيز النفس كريم اليد، طاهر السلوك بين الناس.

 

زر الذهاب إلى الأعلى