أخبار ومتابعاتثقافة وابداع

د. فايد محمد سعيد: سلسلة: حجٌّ لا يعود كما بدأ: القيم التي يجب أن تولد فيك (١) الحج يبدأ بسؤال: لماذا جئت؟

متابعات يوتوبيا

ليس كل من وصل إلى مكة… وصل إلى الله. وليس كل من لبّى… قد أجاب النداء حقًا. في كل عام، تتحرك ملايين القلوب والأجساد نحو مكة. مطارات مزدحمة، وحقائب سفر، وملابس إحرام بيضاء، ودموع تختلط بالتلبية. مشهد مهيب يهزّ الروح الإنسانية، وكأن الأرض كلها تسير في اتجاه واحد.

لكن وسط هذا الزحام العظيم، يبقى هناك سؤال هادئ لا يسمعه أحد، مع أنه أخطر سؤال في الرحلة كلها: لماذا جئت؟

قبل الطواف والسعي، قبل عرفات ومزدلفة، قبل التعب والزحام والدموع، هناك شيء واحد يسبق كل المناسك: النية. لأن الحج ليس رحلة جغرافية إلى مكة فقط، بل رحلة داخلية إلى الله.
وقد يقطع الإنسان آلاف الكيلومترات، بينما يبقى قلبه بعيدًا عن المعنى الذي جاء من أجله. حين يرفع الحاج صوته قائلًا: “لبيك اللهم لبيك”، فهو لا يردد كلمات محفوظة، بل يعلن موقفًا وجوديًا كاملًا: أنا هنا… استجابةً لك يا الله.

لكن الحقيقة المؤلمة أن التلبية ليست دائمًا صادرة من المكان نفسه داخل الإنسان. فمن الناس من جاءه الشوق إلى الله، ومنهم من جاءته الرغبة في الصورة. منهم من حمل قلبه إلى البيت الحرام، ومنهم من حمل هاتفه فقط.

وفي عصر أصبحت فيه الحياة تُعاش أمام الكاميرا، لم تعد العبادة بعيدة عن خطر الاستعراض. حتى أكثر اللحظات روحانية قد تتحول أحيانًا إلى محتوى يُنشر، أو مشهد يُوثّق، أو محاولة خفية للحصول على الإعجاب والإعجاب المضاد. وهنا تتجلى عظمة الإخلاص… وصعوبته.

فالإخلاص هو العبادة الوحيدة التي لا يمكن تمثيلها بالكامل. يمكنك أن تتقن الطواف، وأن تُحسن السعي، وأن تظهر بمظهر الخاشعين، لكن لا أحد يرى حقيقة ما في قلبك إلا الله. ولهذا كان الإخلاص من أعظم الأعمال وأخطرها في الوقت نفسه. لأن الناس قد يُعجبون بالعمل ولو كان خاليًا من الصدق، أما الله فلا يقبل إلا ما كان له.

الحج في جوهره ليس اختبارًا أمام الناس، بل مواجهة صادقة مع النفس. في تلك اللحظات التي يختفي فيها المنصب، ويذوب فيها اللون والجنسية واللغة، يبقى سؤال الحقيقة قائمًا: هل جئت لتتغير… أم لتعود كما أنت مع إضافة لقب “حاج”؟

كثيرون يظنون أن الإخلاص مجرد نية تُقال في البداية ثم تنتهي، لكن الحقيقة أن الإخلاص رحلة مستمرة ترافق الحاج في كل موقف: حين يتعب… لماذا يصبر؟ حين يُزاحم… لماذا يتحمل؟
حين يساعد الآخرين… لمن يفعل ذلك؟

الإخلاص ليس كلمة تُفتتح بها الرحلة، بل روح تحرس الرحلة كلها. ومن أجمل علامات الإخلاص أن يقلّ حضورك في عين نفسك، ويكبر حضور الله في قلبك.
فلا تبحث عن مدح، ولا تنتظر إعجابًا، ولا تنشغل بمقارنة نفسك بغيرك؛ لأنك ببساطة لم تأتِ لأجلهم.

ولهذا يبقى السؤال الصادق الذي يجب أن يواجهه كل حاج: لو لم يعلم أحد أنني حججت… هل كنت سأحج؟
إن كانت الإجابة نعم، فهذه علامة خير.
وإن ترددت النفس، فربما هنا تبدأ الرحلة الحقيقية نحو الإخلاص.

ولعل أجمل ما في الإخلاص أنه لا يطلب من الإنسان أن يكون كاملًا، بل أن يكون صادقًا. فالقلوب البشرية ليست ملائكية، والنفس تضعف وتلتفت وتحب الثناء أحيانًا، لكن المؤمن الصادق يعود سريعًا إلى الله كلما شعر أن قلبه ابتعد عنه.

وفي النهاية، ليست القضية أن تصل إلى مكة فقط… بل أن تصل إلى الله وأنت هناك. فقد يقطع الإنسان آلاف الكيلومترات إلى البيت الحرام،
لكنه لا يقطع المسافة بينه وبين الله.

د. فايد محمد سعيد
الأمين العام للمجلس الأوروبي للمراكز الإسلامية

 

زر الذهاب إلى الأعلى