د راندا رزق تكتب: من “صفع الأبواب” إلى “جدران الخوف” .. تحولات الخطاب في المسرح بين صرخة نورا ومأزق بسنت
مقالات للرأي

لم تكن بخشبة المسرح يوماً مجرد فضاء للعرض، بل كانت دائماً المختبر الأكثر جرأة لقياس حرارة التحولات الاجتماعية.
وفي قلب هذا المختبر، وقفت قضية المرأة كأكثر القضايا إثارة للجدل، لا لكونها “موضوعاً درامياً” فحسب، بل لكونها صرخة احتجاجية تعيد رسم حدود الحرية والعدالة في كل حقبة زمنية.
إن المتأمل في تاريخ الأدب المسرحي يجد أن الخطاب الموجه للمرأة ومن المرأة لم يتجمد عند نقطة واحدة، بل تطور من المطالبة بالحقوق المدنية والسياسية إلى البحث عن كينونة إنسانية تفتقر إلى أهم مقوماتها: الأمان.
أولاً: صرخة “نورا” وحتمية الخروج (سؤال الحرية الكلاسيكي)
حين أغلق “إبسن” مسرحيته الشهيرة “بيت الدمية” بصوت الباب الموصد خلف “نورا”، كان ذلك الصوت بمثابة إعلان سقوط عصر كامل من التبعية، فالبطلة نورا لم تكن تهرب من زوجها فحسب، بل كانت تهرب من “الدور” الذي رسمه لها المجتمع (الزوجة اللعبة، والدمية المزينة).
في تلك المرحلة، كان سؤال المسرح هو: “هل تملك المرأة شجاعة التمرد؟” كانت الحرية في وعي إبسن تعني استقلال الإرادة، والقدرة على الانفصال عن المنظومة الأبوية التي تختزل المرأة في وظيفة بيولوجية واجتماعية ضيقة، حتى كانت “نورا” تمثل ذروة الوعي الليبرالي في القرن التاسع عشر، حيث التحرر هو “خروج” مادي ومعنوي من فضاء القهر.
ثانياً: من التحرر إلى المواجهة (الانتقال نحو الواقع المحلي)
مع انتقال الخطاب المسرحي إلى الواقع العربي والمصري، بدأت المعالجات تأخذ أبعاداً أكثر تعقيداً؛ إذ لم يعد العدو دائماً “زوجاً متسلطاً” أو “أباً منغلقاً” فقط، بل أصبح “الواقع الاجتماعي” ككل هو السجن الكبير، وهنا بدأ المسرح يطرح تساؤلاً مغايراً: ماذا يحدث بعد أن تخرج “نورا”؟.
إذا كانت نورا قد غادرت بيتها لتجد عالماً أوروبياً يتيح لها العمل والاستقلال تدريجياً، فإن الشخصية النسوية في المسرح المعاصر (كما نجد في نماذج مثل بسنت سليمان) تصطدم بواقع مغلق لا يعترف بحريتها حتى لو امتلكت صك الاستقلال. هنا ننتقل من “سؤال الحرية” إلى “مأزق الأمان”.
ثالثاً: بسنت سليمان وأزمة الأمان (المرأة في مواجهة الفضاء العام)
في المعالجات المسرحية المعاصرة، وتحديداً في التجربة التي تمثلها “بسنت سليمان”، نجد أنفسنا أمام نموذج مختلف من الصراع، الحرية هنا لم تعد ترفاً فكرياً أو قراراً بالمغادرة، بل أصبحت مواجهة يومية مع مجتمع يتربص بالذات الأنثوية.
أزمة “الأمان” التي يطرحها الخطاب المسرحي الحديث تتجلى في:
1. الأمان النفسي: التحرر من نظرة المجتمع الوصمية للمرأة المستقلة.
2. الأمان الجسدي: مواجهة العنف والتحرش والتهديد الذي يلاحق المرأة في الفضاء العام.
3. أزمة الثقة: الانهيار الذي يحدث حين تكتشف المرأة أن “الحرية” التي نالتها قانوناً، لا تحميها واقعاً من التهميش .
رابعاً: الفجوة بين الخطاب الدرامي والواقع الاجتماعي
نرى هنا فصامًا مؤلمًا؛ فالمسرح المصري استطاع عبر عقود أن يقدم معالجات “ثورية” لقضية المرأة، لكن هذه المعالجات ظلت غالباً حبيسة قاعات العرض، أو اصطدمت بجدران من الموروثات التي تعيد تدوير نفسها. إن التحول من صرخة نورا (التي تطلب الحق في الاختيار) إلى مأزق بسنت (التي تطلب الحق في النجاة) يعكس تراجعاً في مفهوم الأمان الإنساني رغم التقدم الظاهري في القوانين.
إن الخاتمة التي تحتمها النظرة تؤكد أن قضية المرأة في المسرح لم تعد قضية “جندرية” تتعلق بالفرق بين الجنسين من حيث المكانة والسلطة والفرص فحسب، بل هي قضية “إنسانية” بامتياز؛ حيث لا تُقاس حرية الفرد (رجلاً كان أو امرأة) بمدى قدرته على الانفصال، بل بمدى قدرة المجتمع على احتواء هذا الفرد وتوفير الأمان له.
حيث إن رحلة المرأة من “بيت الدمية” إلى “شوارع الواقع” هي رحلة البحث عن وطن، وليس مجرد بحث عن حرية، فالحرية بلا أمان هي سجن آخر، لكنه سجن بلا جدران.










