
**
طب أنت يا ابن آدم، لست حرفة تتعلمها ولا صنعة تتقنها إنما أنت أمانة تُحملها في كيانك كله، تصير بها أخلاقًا تسري في دمك قبل أن تصير علمًا في عقلك، وتصير سلوكًا ينبض في يديك قبل أن تنطق به شفتاك. أنت حين تضع قدميك في عتبة هذه المهنة، فإنما تدخل مكانا قدسيًّا، حيث لا مكان للارتجال ولا مسرح للعشوائية، ولا منفذ للتعالي، لأنك هنا في حضرة الضعف الإنساني في أشد تجلياته، وفي مواجهة الخوف والألم والسؤال هنا لماذا أنا؟ وإلى متى؟ وماذا بعد أنت هنا لا تمارس عملاً إنما تعيش رسالة تتصل فيها بالحياة من بابها الأعلى من باب الكرامة الإنسانية. فلا يجوز أن تكون ناقصًا ولا أن تغفل ولا أن تتجاهل، لأن الغفلة هنا ليست خطأً يُصحح فهي جرح لا يندمل في جسد ائتمنك عليه صاحبه، أو في روح استودعك إياها من يهمه أمرها. إن مهنة الطب أيها الصديق والزميل ليست مهنة بين المهن هي منهج حياة كامل مبني على أخلاق تغذي كلّ حركة وسكنة، وتُحكِم كلَّ علاقة بينك وبين من تخدم، فتكون العدالة بين يديك والتواضع في قلبك، وبينك وبين زملائك فتكون الأخوة في المسؤولية والتكامل في التخصص، وبينك وبين رؤسائك ومرؤوسيك، فتكون التراتبية احترامًا لا ترفعًا، والمحاسبة إنصافًا وليس تجريحًا. وقبل هذا كله أنت في هذه المهنة مقيدٌ بأنبل القيود قيد الدليل العلمي الذي لا يخضع للهوى، وقيد البروتوكول الذي صاغته خبرات من سبقوك، وقيد المعايير التي وضعتها عقول لم تكن تعرف التهاون. أنت مقيد بالحوكمة التي تجعلك شفافًا كالضوء، وبالمراجعة والتدقيق اللذين يحفظانك من زلل النفس، وبالتوثيق الذي يجعل عملك شاهدًا لك لا عليك. ولا تُجرى في مملكتك هذه تدخلاتٌ طبية إلا بتراتيبٍ مقدسة ، تراتيب قانونية تحفظ الحقوق، وتراتيب أخلاقية تحفظ الكرامة، وتراتيب مهنية تحفظ الدقة، وتراتيب إدارية تحفظ الانضباط. فلا تدخل إلا في مكان مؤهل، ولا بإجراءٍ إلا من متخصصٍ متمكن، ولا في سياق إلا وهو منظم من أوله إلى آخره، في سلم من الإجراءات يمتد من يديك إلى أقصى قمة في المؤسسة، وفي سلم من المسؤولية لا ينكسر ولا ينثني. حتى في الطوارئ أيها الطبيب حيث تظن أن القيود قد رفعت، فاعلم أن هناك قيودًا أسمى تحكمك هي قيود المهنية الخاصة التي تجعل سرعتك ليست ارتجالاً، إنما هي خبرةٌ تختصر الزمن دون أن تختصر الدقة، وحضور ذهن لا يغيب عنه أن الطوارئ ليست فوضى مبدعة بل هي نظام من نوعٍ أرفع يحكمه ما يحكم كل شيء فيك ( الإتقان )، إنك في هذه المهنة لست وحدك أبدًا، فالمسؤولية هناك مشتركة بين الكوادر والتخصصات والأقسام، تمتد حتى آخر حلقة في سلم العمل، وآخر درجة في سلم المسؤولية. وكأن هذه المهنة العظيمة قد صنعت لهذا الجسد الإنساني الذي تعالجه جسدًا آخر من إجراءات وضوابط، لا يقل اتساقًا ولا تكاملًا عن أعقد أجهزة الحياة. ولهذا كله ولأنك تعمل في أشرف وأدق موقعٍ في الوجود الإنساني، فقد أحاطوك من كل جانبٍ بضوابط حاكمة، ليست لتحجر إبداعك ولكن لتحفظ عليك قدسية ما تفعل، ولتضمن أن من يقوم بالعمل، كيف يقوم به، وأين، ومتى، ويكون دائمًا على قدر الأمانة التي حملها، والثقة التي منحها إياه من ائتمنه على روح إنسان. فكن أيها الطبيب كما وصفوك عالمًا خبيرًا، كفؤًا نزيهًا، عادلًا متواضعًا، توّاقًا إلى التخصص والتميز، محكومًا بالأدلة والبروتوكولات، شفافًا في عملك، موثقًا لإجراءاتك، مدركًا أنك في سلسلة لا تنتهي من المسؤوليات المشتركة، وأنك ما دمت حاملًا لهذه الأمانة، فأنت في محراب لا يليق فيه إلا الإتقان، ولا يسكنه إلا الإخلاص، ولا يخرج منه إلا ما كان لله ثم للإنسانية خالصًا نقيًا. هكذا تكون مهنة الطب فلسفةً تحياها، وأدبًا تعيشه، وعلمًا تتقنه، وإنسانية تحتضنها، وروحانية تتجلى في كل نبضة تمنحها الحياة.
د.علي المبروك أبوقرين









