أخبار ومتابعاتمقالات الرأى

د زياد عبد التواب يكتب: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يضاعف ساعات اليوم؟

مقالات للرأي

أحياناً يجد الإنسان نفسه محمّلاً بمهام كثيرة، وروايات تزدحم في الذاكرة، وأفكار تتدافع وتحتاج أن يكتبها قبل أن تتبخر لكن المشكلة التي تُطارد كل صاحب طموح ليست قلّة الأفكار، بل ضيق الوقت. كأن الزمن، رغم ثباته الظاهري، يضيق على من يحاول أن يعيش أكثر من حياة واحدة فيها اليوم مكون من 24 ساعة فقط.
و هنا يطلّ السؤال الذي يفرض نفسه بقوة، هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلّ هذه المعضلة القديمة، هل يستطيع أن يمنح الإنسان عمراً إضافياً، لا بمعنى الساعات والايام والسنوات و لكن بمعنى زيادة فاعلية الوقت المتاح ، هل يمكن أن يكون للإنسان أكثر من “وكيل” يعمل عنه، يفكّر بدلا منه ، ينجز بعض ما لا يجد هو فسحة لانجازه.
فكرة “الوكلاء الرقميين” ليست جديدة تماماً؛ جذورها تضرب في عمق تاريخ رغبة الإنسان في مضاعفة قدراته، فحين اخترع الآلة البخارية، انتزعت ساعات من العمل الشاق ومن الانتقال البطئ بين الاماكن وسهلت ذلك كله وجعلته ممكن فى وقت اقل وبمجهود اقل واقل. وعندما ظهرت الكهرباء ثم الكمبيوتر، كان الهدف ذاته هو تقليل الجهد وتوسيع مساحة الفعل،واليوم يأتي الذكاء الاصطناعي ليستكمل هذه السلسلة كحلقة جديدة في محاولة البشر للانتصار على محدودية الزمن.

لذلك يكون السؤال حول إمكانية استخدامنا الذكاء الاصطناعى لنعيش أن “يومين” فى يوم واحد، مثلا أن يكتب نيابةً عنا، ويتعلّم بدلاً منا، ويشاهد فيلماً، أو يحضر اجتماعاً، أو يستمع إلى إذاعة، أو يتابع أخباراً بينما نحن نيام، ثم يسلّمنا خلاصة كل ذلك حين نستيقظ، وإذا حدث هذا بالفعل، فما أثره علينا، هلس نصبح أكثر راحة وهدوءا أم أقل حضوراً، هل سنصبح أكثر فاعلية أم أكثر اعتماداً واقل مهارة.

الفكرة مغرية بلا شك. أن يستيقظ الإنسان وقد أُنجز الكثير ؛ كتابات، تقارير، قراءات، وربما تحليلات كانت ستأخذ منه ساعات طويلة. أن يحصل على “امتداد رقمي” يضاعف طاقته دون أن يضاعف تعبه، لكن بجوار هذا الإغراء، تقف أسئلة لا بد أن تُطرح، هل يمكن للوكيل الاصطناعي أن ينقل التجربة كما عاشها، أم سينحاز، هل يستطيع أن ينوب عنك في رؤية فيلم، بينما جزء كبير من قيمة المشاهدة يكمن في إحساسك الشخصي، وما الجدوى اذا من الثقافة والدراما، هل لنعرف أم لنحس، وهل يمكنه أن يحضر اجتماعاً مكانك دون أن يفقد الاجتماع أهميته الإنسانية المباشرة، من يحضر الاجتماعات يعرف أن ما لا يقال أحيانا كثيرا يكون أكثر أهمية مما قيل بالفعل.
وهنا يظهر التحدي الحقيقي، أن نستخدم الذكاء الاصطناعي دون أن نفقد ذواتنا،أن نسمح له بأن يوسّع وقتنا، لا أن يسرق حضورنا واحساسنا، اى أن يكون شريكاً لا بديلاً، مساعداً لا هيمنة له، امتداداً لا نسخة مكرّرة، وفى جميع الاحوال يجب أن يحتفظ الإنسان بمركز الفعل والقرار، والحقيقة أن الإجابة  ما زالت تتشكل، لكن المؤكد أن الذكاء الاصطناعي فتح الباب أمام حلم قديم، أن يحيا الإنسان حياة أوسع من حدوده الزمنية، وأن يعيش في يوم واحد ما كان يحتاج سابقاً إلى يومين أو ثلاثة اى ان اليوم قد يكون 24 ساعة لانسان و 240 ساعة لإنسان  آخر ، هذا هو جوهر التحدي الذي ينتظرنا.

زر الذهاب إلى الأعلى