أخبار ومتابعات

د زياد عبد التواب يكتب: الذكاء الاصطناعي من النموذج اللغوي الى الوكيل المستقل

مقالات للرأي

حين نتأمل المشهد الراهن للذكاء الاصطناعي، نلاحظ أن هناك التباسًا كبيرًا في استخدام المصطلحات، فالكثير منا يعرف ويتحدث عن النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs)، وعن الذكاء الاصطناعي التوليدي، وعن الوكيل المراقب (AI Agents)، وعن الوكيل المستقل او ما يسمى بالـ Agentic AI، وكأنها كلها شيء واحد. لكن في الحقيقة، كل مصطلح يمثل مرحلة مختلفة في مسار تطور الذكاء الاصطناعي، ولكل مرحلة خصائصها وقدراتها وحدودها وأيضا محاذير استخدامها ومخاطرها وفيما يلى محاولة للفهم والتحديد لكل مرحلة من المراحل الأربع:

المرحلة الأولى: النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs)

البداية كانت مع ما يمكن اعتباره “المحرك الخام”. النماذج اللغوية الكبيرة مثلChatGPT , والتطبيقات المثيلة التي لا تفعل أكثر من التنبؤ بالكلمة التالية في جملة و التعرف على الأنماط، حيث يتم ذلك من خلال تغذيتها بمليارات الكلماتوالجمل والتعابير وذلك لتبني معايير إحصائية تسمح لها بإنتاج نصوص تبدو بشرية. لكنها في جوهرها لا تفهم ولا تنوى ولن تستطيع. فكل ما تفعله هو تشغيل محرك احتمالي ضخم يستطيع أن يقلد أنماط اللغة. يمكن أن نشبههابمحرك سيارة قوي بلا مقود ولا فرامل. قوة هائلة، لكن بلا اتجاه محدد ولذلك فهي تحتاج الى قيادة ويجب ان تكون واعية ورشيدة.

المرحلة الثانية: الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)

مع التوليد ظهر بعد جديد حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مقلد للنصوص، بل أصبح قادرًا على إنتاج محتوى متنوع مثل الصور والموسيقى ومقاطع الفيديو وسطور من الكود الذي يكون برنامجا وهذا ما يجعل الذكاء الاصطناعي يبدو أكثر إبداعًا، لكنه يظل “إبداعًا موجهًا”؛ أي أنه يحتاج دومًا إلى تدخل بشري على هيئة سؤال، طلب، أو أمر، أي انه ذكاء يتفاعل مع ما نقدمه له لكنه لا يخطو خطوة إلى الأمام دون أمر. بعبارة أخرى، هو آلة رد الفعل، وليست آلة المبادرة. وهنا تقف قدراته وحدوده.

المرحلة الثالثة: الوكلاء (AI Agents)

هنا بدأ الذكاء الاصطناعي يتحول من “منتج للمخرجات” إلى “فاعل، فالوكيل الذكي لا يكتفي بأن يكتب لك بريدًا إلكترونيًا عند طلبك، بل يمكن أن يرسله، ويبحث في قاعدة بياناتك، ويستدعي واجهة برمجية خارجية، ويرتب نتائج العمل في تقرير. أي أنه بدأ يتصرف وكأنه موظف افتراضي يعمل بالنيابة عنك. الفرق هنا انك لم تعد مضطرًا لمراقبته خطوة بخطوة، بل يكفي أن تحدد له الهدف العام. هذه النقلة جعلت الوكلاء حلقة وصل بين قوة التوليد وقدرة التنفيذ. ومع ذلك، الوكيل ما زال محدودًا، إذ ينتظر تكليفًا واضحًا ويعمل ضمن إطار محدد.

المرحلة الرابعة: الـ Agentic AI

هنا يدخل الذكاء الاصطناعي مرحلة أكثر إثارة للجدل وهي مرحلة الاستقلالية الجزئية أو ما يمكن تسميته بـ”المبادرة الذاتية”. لم يعد ينتظر الأمر فقط، بل أصبح قادرًا على وضع أهداف فرعية، والتخطيط، وإعادة ترتيب أولوياته وفقًا للظروف. يمكنه أن يستدعي وكلاء آخرين، ويعدل استراتيجيته إذا فشل في خطوة، ويراقب نتائج عمله ليقرر ما يجب فعله لاحقًا. هذا أشبه بموظف لا يعمل فقط بناءً على الأوامر، بل يقترح بنفسه ما يجب فعله، وينفذه من تلقاء ذاته. ويبقى السؤال الجوهري هنا، هل نحن مستعدون لمثل هذا المستوى من الاستقلالية؟ وهل نمتلك آليات رقابة تمنع الذكاء الاصطناعي من اتخاذ مسارات قد تكون ضارة أو غير مرغوبة؟ سؤال يحتاج الى إجابة متأنية وليست متسرعة مأخوذة باللهاث وراء التكنولوجيا او سعيا الى المزيد من الرفاهية.

و بالرغم من أن هذه المراحل الأربع تكشف عن تطور مبهر وسريع، إلا أن كل واحدة منها تحمل مخاطر كبيرة، فالنماذج اللغوية الكبيرة تتهم بالتحيز لأنها ببساطة تتغذى على بيانات مليئة بانحيازات بشرية، ما يجعلها أحيانًا تكرر أو تضخم صورًا نمطية أو أخطاء معرفية. اما الذكاء الاصطناعي التوليدي Generative AI فالخطر الأساسي فيه هو التزييف والإغراق بالمحتوى، مثل الصور والفيديوهات المزيفة العميقة Deepfakes التي تهدد الثقة في المنظومة وما يصدر عنها من بيانات ومعلومات، اما الوكلاء AI Agents فالتحدي هنا هو فقدان الشفافية؛ فالوكيل يمكن أن ينفذ إجراءات عديدة دون أن يعرف المستخدم بالضبط كيف ولماذا اتخذها، مما يفتح الباب أمام أخطاء أو سوء استخدام يصعب تتبعه.، وبالنسبة لل Agentic AI هنا يبرز السؤال الأخطر: من يسيطر على الآلة المستقلة؟ فإذا بدأت هذه الأنظمة في اتخاذ قرارات ذاتية تتعارض مع مصلحة الإنسان، فسيكون من الصعب ضبطها. كما أن استخدامها في السياسة أو الاقتصاد أو الأمن قد يقود إلى تبعات يصعب التنبؤ بها.

بعد الاستعراض السابق لمراحل الذكاء الاصطناعي واستخدامه من المحرك الخام إلى الوكيل المستقل، فالرحلة ليست فقط قصة نجاح تقني، بل هي أيضًا قصة صراع معقد بين القدرة والمسؤولية فإن كنا نحتفل اليوم بقدرة الآلة على الكتابة والرسم والتخطيط، فعلينا أيضًا أن نكون جاهزين للإجابة عن السؤال الأصعب ونكون جاهزين الى المرحلة التي قد تتحول فيه تلك التقنية الى السيطرة على الانسان بصورة كاملة

 

زر الذهاب إلى الأعلى