أخبار ومتابعات

د. فايد محمد سعيد يكتب: محرم: ذاكرة الأمة وضمير الإنسانية

متابعات يوتوبيا

 

 

شهر محرم هو بوابة العام الهجري، يحمل في طياته دلالات عميقة، وأحداثًا جليلة طبعت تاريخ الإنسانية، ورسخت في الذاكرة الجماعية للمسلمين معاني الصبر والتضحية والإيمان. ولا تقتصر أهمية هذا الشهر على الجانب التاريخي فحسب، بل يمتد أثره ليشمل الأبعاد الأخلاقية والفلسفية والروحية.

 

لعل أبرز هذه الأحداث يوم عاشوراء، حيث ارتبطت ذكرى هذا اليوم بنجاة النبي موسى عليه السلام وقومه من فرعون وجنوده. وقد أبرز النبي محمد ﷺ فلسفة عميقة في التعامل مع هذه الذكرى بقوله لليهود الذين كانوا يصومونه في المدينة: «نحن أحق بموسى منكم»، وأمر بصيامه (رواه البخاري ومسلم). في هذا السياق، تتجلى فلسفة إسلامية أصيلة تؤمن بوحدة الرسالات السماوية وتكاملها، وترى الأنبياء جميعًا، من آدم إلى محمد ﷺ، بمثابة حَمَلة رسالة واحدة، وقيَم متصلة، تجسّد مفهومًا كونيًا للإيمان بالله (القرآن الكريم، سورة البقرة: 285).

الانتصار الروحي وفلسفة القوة الحقيقية

إن نجاة موسى عليه السلام ليست مجرد حادثة تاريخية، بل هي درس فلسفي عميق يعيد تعريف القوة والنصر من المنظور الإسلامي. فالنصر الحقيقي، كما تؤكده النصوص القرآنية، ليس بقوة السلاح أو العتاد، وإنما بقوة الإيمان والصبر والثبات على الحق: «قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» (سورة الأعراف: 128). وهذا المفهوم العميق للنصر يتجلى في مواقف متعددة من السيرة النبوية الشريفة، كما في صلح الحديبية الذي عدّه القرآن الكريم فتحًا مبينًا رغم ظاهره الذي بدا فيه تنازلًا (سورة الفتح: 1-3).

الهجرة النبوية: الصبر على الأذى والتضحية الكبرى

إن الهجرة النبوية ليست مجرد حدث تاريخي عابر، بل هي محطة تأسيسية كبرى بُنيت على معاناة عظيمة وتضحيات جسام. لقد تعرّض المسلمون في مكة لأقسى أنواع الأذى والتنكيل من قبل قريش، حيث عُذب بلال رضي الله عنه على الرمال الحارقة، واستُشهدت سمية بنت خياط رضي الله عنها، وهي أول شهيدة في الإسلام، وتعرّض ابنها عمار بن ياسر رضي الله عنه لصنوف التعذيب (ابن هشام، السيرة النبوية). وتفاقمت المعاناة بحصار قريش للمسلمين في شعب أبي طالب، الذي دام ثلاث سنوات عجاف، عانى فيها المسلمون من الجوع والحرمان حتى أدى ذلك إلى وفاة السيدة خديجة رضي الله عنها، زوجة النبي ﷺ وأحب الناس إليه، نتيجةً لنقص الغذاء والدواء (الطبري، تاريخ الأمم والملوك).

وبعد كل هذه المحن والآلام، جاء قرار الهجرة ليمثل تضحيةً أكبر، حيث ترك المسلمون، وعلى رأسهم النبي ﷺ، بيوتهم وأموالهم وأسرهم وأعمالهم، حبًا لله ورسوله وابتغاءً لمرضاته. كانت هذه الهجرة مثالًا عمليًا للصبر والتوكل، مجسدة فلسفة الإسلام في مواجهة الصعاب والشدائد بقوة الإيمان والعزيمة (ابن إسحاق، السيرة النبوية).

الإمام الحسين رضي الله عنه: التضحية والشجاعة في وجه الظلم

تتجلى في شهر محرم أيضًا ذكرى استشهاد الإمام الحسين رضي الله عنه، حفيد النبي ﷺ، في معركة كربلاء. هذه الواقعة التي استشهد فيها الحسين رضي الله عنه، وشهد فيها مقتل أبنائه وأبناء أخيه، تعكس عمق التضحية وروح الشجاعة والصمود في وجه الباطل والظلم. وقد نجا من هذه المعركة الإمام علي زين العابدين ابن الحسين رضي الله عنهما، الذي عُرف بسعة صدره وسلامة قلبه من الحقد والكراهية، موجهًا جهوده نحو خدمة الناس وتخفيف معاناتهم، في رسالة سامية تؤكد أن التضحية لا يجب أن تُفضي إلى الحقد، بل إلى تعزيز قيم الرحمة والإحسان (ابن كثير، البداية والنهاية).

التقويم الهجري: رؤية عمرية وفلسفة حضارية

كان تأسيس التقويم الهجري في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرارًا حضاريًا ذا بُعد فلسفي عميق. فعندما اشتدت الحاجة إلى نظام واضح لتحديد المواقيت في إدارة شؤون الدولة الإسلامية، استشار عمر رضي الله عنه الصحابة الكرام، وتم اختيار الهجرة النبوية لتكون منطلقًا لهذا التقويم، باعتبارها حدثًا مفصليًا يرمز إلى الولادة الجديدة للأمة الإسلامية (ابن حجر، فتح الباري). ويعكس هذا الاختيار فلسفة الإسلام في التعامل مع الزمن، كونه مجالًا للتجدد والبناء الروحي والحضاري.

الخاتمة: فلسفة المحاسبة في حياتنا

إن التقويم الهجري لا يمثل مجرد تواريخ نعيشها، بل هو دعوة مستمرة لمحاسبة النفس وتقييم الأعمال. كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا» (رواه الترمذي). فحياتنا في جوهرها تقويمٌ هجري متجدد، يدعونا دومًا للتأمل في ما قدمنا من عمل، وأن نستعد للحساب الذي لا مفر منه أمام الله تعالى.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يرزقنا وإياكم حسن المحاسبة والتوبة الصادقة، وصلّى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

زر الذهاب إلى الأعلى