أخبار ومتابعات

د. فايد محمد سعيد: قراءات إيمانية وسلوكية في معاني الحج .. هاجر عليها السلام: الصبر والتوكل وبناء الثقة بالله (2)

متابعات يوتوبيا

يتأهب المسلمون في هذه الأيام للذهاب إلى مكة بلد الله الحرام لأبداء مناسك الحج،
فيما أكد أ . د راندا رزق الأمين العام للمجلس العربي للمسئولية المجتمعية أن بوابة أربيان يوتوبيا تحرص على أن تعطي بصمتها في كل حدث يهم المجتمع أو العالم الإسلامي، وبخاصة وأن الحج إلى بيت الله الحرام هو الركن الخامس من أركان الإسلام.

وفي هذا الإطار. تسر بوابة ” اربيان يوتوبيا ” أن تقدم لقرائها الكرام بعض القضايا المتعلقة بالحج معايشة مع الحجاج لمناسك الحج، يقدمها أ د فايد محمد سعيد.

تتناول هذه الدراسة شخصية هاجر عليها السلام، بوصفها نموذجًا قرآنيًا خالدًا في الصبر والتوكل على الله، من خلال حدث تأسيسي مرتبط بالشعيرة الكبرى في الإسلام: الحج. ويبرز البحث كيف أن موقفها الفردي تحول إلى سنة عملية متكررة تمثل السعي بين الصفا والمروة، ومصدر إلهام روحي وسلوكي متجدد في ضمير الأمة الإسلامية.

مقدمة

تُعد رحلة هاجر عليها السلام إلى وادي مكة القاحل، واحدة من أبرز المحطات الإيمانية في التاريخ البشري. وقد سجل القرآن هذا الحدث ضمن منظومة السرد النبوي التي تتجاوز حدود القصص، لتغدو منبعًا للقيم والمفاهيم التربوية. وبالرغم من كونها امرأة غريبة، ضعيفة، وحيدة، فإن صنيعها أصبح جزءًا لا يتجزأ من شعائر الحج، وارتبط بها فعل “السعي” بين الصفا والمروة، وهو فعل عبادي متكرر إلى قيام الساعة.

أولاً: السياق التاريخي والقرآني لرحلة هاجر

ورد ذكر هاجر في سياق قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وإن لم تذكر باسمها في القرآن الكريم، إلا أن فعلها وتوكلها ونتيجته (زمزم والسعي) جاء مكرمًا ضمنيًا في قوله تعالى:

﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: 37]

يمثل هذا الإخبار الإلهي عن إبراهيم عليه السلام بداية المشهد التأسيسي: امرأة وطفل رضيع، في وادٍ مهجور، بلا ماء ولا طعام ولا أنيس. والسؤال الحاسم الذي واجهته هاجر في هذا الموضع هو: هل هذا بأمر الله؟ فلما أُجِيبَت بـ”نعم”، ردت بجواب الخضوع الكامل: “إذا لا يضيعنا”.

ثانيًا: التوكل الصادق.. من التصديق إلى التحرك

التوكل عند هاجر لم يكن جمودًا واتكالًا، بل كان حركة وسعيًا مضنيًا. لقد سعت بين الجبلين سبع مرات، تبحث عن الماء، لا تعرف الغيب، لكنها تؤمن بأن الله لن يضيع من أطاعه.

السعي هنا لا يمثل مجرد طقس جسدي، بل هو ترميز لمعنى العبودية الحركية. ولذا فإن الله خلد فعلها، وجعل أمة محمد ﷺ كلها تسعى سعيها، رجالًا ونساءً، ملوكًا وفقراء، في مشهد لا يتكرر إلا في الحج، وكأن الأمة كلها تعيد تمثيل هذا المشهد التربوي سنويًا.

ثالثًا: المرأة المؤسِّسة في الشعائر

يُعد هذا من المواضع النادرة التي أسهمت فيها امرأة في تأسيس عبادة عملية داخل المنسك الشرعي، وهو ما يعطي بعدًا مهمًا لدور المرأة في التصور الإسلامي. فهي لم تكن فقط زوجة نبي، أو أمًا لنبي، بل كانت فاعلًا في صياغة العبادة ذاتها.

ويكفي دلالة أن “السعي” ليس واجبًا على النساء فقط، بل فرض على الجميع، مما يجعل “أثر هاجر” إيمانيًا عامًا وليس نسويًا فقط.

رابعًا: زمزم.. ثمرة التوكل

عندما انفجرت زمزم تحت قدم إسماعيل، كان ذلك بمثابة جواب إلهي عملي على التوكل والصبر. وهنا نلمس المعنى القرآني العميق:

﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًۭا • وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]

الماء الذي سال في الصحراء لم يكن فقط نبعًا للجسد، بل علامة على استجابة الله للتوكل والرضا.

خامسًا: من الدرس الفردي إلى الأثر الجماعي

تحولت قصة هاجر من حدث فردي إلى إرث جماعي، ومن فعل شخصي إلى شعيرة جماعية. وهذا التحول في ميزان الشرع يدل على:
1. قدسية الصدق في النية.
2. أن الموقف الصغير قد يخلده الله في الأمة.
3. أن العمل الصادق قد يُثبَّت شرعًا ويُقتدى به.

خاتمة: الأثر الباقي

إن أثر هاجر عليها السلام باقٍ في الشعيرة، وفي التكوين النفسي للمسلم، وفي دلالة التوكل والسعي والعمل. لقد علمتنا أن الله لا يضيع أهله، وأن السعي لا يُغني عن التوكل، ولا التوكل يُغني عن السعي.

فكل من سعى بين الصفا والمروة، يعلن أنه تلميذ في مدرسة هاجر، وأنه يروي بقلبه قصة امرأة استجاب الله لسعيها، فكتبها في سورة، وخلدها في حج الأمة.

المصادر والمراجع
1. ابن كثير، البداية والنهاية.
2. ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري.
3. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن.
4. سامية عبد الرحيم، المرأة بين تكريم الإسلام وتشويه الثقافة.

زر الذهاب إلى الأعلى