
التبادل الثقافي هو قوام الحضارات التي تبني عليها الأمم ، وحوار الحضارات أحد المرتكزات المهمة للدول، والترجمة للتراث الحضاري هي الوجه الآخر للتقدم والتطور ، ولهذا تقدم بوابة يوتوبيا للقراء الكرام تحقيقيا نرصد فيه جهود بعض المتخصصين في مجال الترجمة، وأهمية الترجمة وأثرها في الواقع الحضاري للعالم.
يقول د. علي شعبان أستاذ بكلية اللغات والترجمة – جامعة الأزهر لا شيء يسهم في تواصل المجتمعات وتعارفها ثقافيا مثل الترجمة، ولا مراء في أن أي متتبع للحركة الثقافية على مستوى العالم يرى بوضوح مدى تنامي حركة الترجمة ودورها بين مختلف لغات العالم، إذ لا يستطيع مجتمع أن يعيش منعزلا عن الكون الذي يعيش فيه، وإلا حكم على نفسه بالموت والتخلف.
وكان اختلاف اللغات – وهي آية من آيات الله في خلقه – سببا رئيسا في حاجة البشر إلى تعلم لغات الآخرين كي يتمكنوا من الاتصال بهم وتعرف أحوالهم وظروفهم. ومع تقدم المجتمعات البشرية علميا وثقافيا برزت الحاجة إلى ترجمة ما توصل إليه الآخرون من معارف، وعلوم، وابتكارات، وغيرها للإفادة منها. وساعدت التطورات التكنولوجية الحديثة – من وسائل التواصل الاجتماعي وبرامج الترجمة الآلية وغيرها – على التقارب بين الشعوب على اتساع الكرة الأرضية وطول المسافات بين الدول.
ولسنا في معرض الحديث هنا عن أنواع الترجمة كالترجمة الأدبية، والقانونية، والعلمية، والدينية، والفورية، والآلية، وغيرها، فكل هذه الأنواع ينتظمها إطار واحد هو علم الترجمة ونظرياته، وهناك دراسات متخصصة في كل فرع من هذه الفروع يمكن لمن أراد التوسع أن يعود إليها.
أول أشكال الترجمة التي عرفها البشر
تحدثنا دراسات تاريخ الترجمة عن أن أول أشكال الترجمة التي عرفها البشر هي الترجمة الشفوية، خاصة بعد توسع حركة الفتوحات اليونانية عبر العالم، ونقلها ثقافة اليونان وحضارتهم إلى البلاد التي فتحوها، ثم ظهر دور السريان في الاستفادة من علوم اليونانيين ومعارفهم ونقلها إلى اللغة السريانية. وقد امتدت هذه الفترة زهاء ألف عام تقريبا، ظهرت خلالها مراكز للترجمة في الإسكندرية، ونصيبين، والرها (تقعان في جنوب شرق تركيا حاليا)، وجنديسابور (شرق إيران).
وظهر بعد ذلك للعرب دور بارز في حركة الترجمة بسبب النشاط التجاري للعرب، وبلغت حركة الترجمة العربية ذروتها في عهد الخليفة هارون الرشيد وابنه المأمون، فظهر عدد من المترجمين الذين نقلوا إلى العربية أمهات مصادر العلوم من اليونانية والسريانية وغيرهما من اللغات التي كانوا يجيدونها. ثم استمرت حركة الترجمة نشطة نشاطا بالغا في العصرين الأموي والعباسي مارة بكل العصور التي تلت ذلك وصولا إلى العصر الحديث متمثلة في رفاعة الطهطاوي منشئ مدرسة الألسن التي هدفت أساسا إلى تعلم الترجمة وتعليمها. ولم يتوقف الغيث حتى وقتنا الراهن الذي شهد عمالقة في الترجمة يجل المقام عن الحديث عنهم أو حنى ذكر أسمائهم.
الترجمة هي نقل “رسالة”
فيما يوضح شعبان أن الترجمة – في حقيقتها – هي نقل “رسالة” متضمنة في عبارة أو أكثر من لغة إلى لغة أخرى نقلا يتسم بالأمانة والدقة، وليست مجرد نقل معاني كلمات أو نصوص كتبت بلغة ما إلى لغة أخرى، إذ إن هذه الكلمات أو النصوص إنما تحمل “رسائل” قد لا تظهر في البنية السطحية لهذه العبارات أو النصوص. والمترجم المكين هو ذلك الذي يستطيع أن يستكنه الرسالة المحتواة في النص وينقلها إلى المتلقي باللغة الأجنبية، وهذا هو جوهر الترجمة. وفي سبيل الوصول إلى هذه الغاية، مرت الترجمة بعدد من المراحل والنظريات حتى وصلت إلى مستوى لائق ينعكس في أعمال كثير من المترجمين الحاذقين.
ويستطرد قائلا: وقد قيض الله لي أن أسهم في هذا المجال بترجمة عدد من الأعمال بعضها في مجال تعليم اللغات الأجنبية، والغالب الأعم منها في مجال الترجمة الدينية. ولعل أهم هذه الأعمال وأقربها إلى نفسي هي ترجمة كتاب “المنتخب من معاني القرآن الكريم” الصادر عن وزارة الأوقاف المصرية إلى اللغة السواحيلية، بالاشتراك مع أ.د. محمد إبراهيم، و أ. د. عبد الهادي حامد، وترجمة الكتاب نفسه إلى اللغة الإنجليزية وترجمة معجم لونجمان للأفعال العبارية إلى اللغة العربية بالاشتراك مع المرحومين الأستاذ الدكتور محمد محمود غالى والأستاذ الدكتور أحمد شفيق الخطيب، لعظم الفائدة المرجوة من هذين العملين.
وقد بدأ اهتمامي بالترجمة منذ كنت طالبا في السنة الثالثة بقسم اللغات الإفريقية بكلية اللغات والترجمة – جامعة الأزهر، حين ترجمت معجم: “A Standard Swahili-English Dictionary, by: Johnson, F” من اللغة الإنجليزية إلى العربية، ثم ظهر في صورته النهائية بعد أن شارك د/ عبد الحي سالم معي في هذا العمل، ونشره المركز القومي للترجمة عام 2015. وتوالى اهتمامي بالترجمة بعد أن حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة لندن عام 1983 بحمد الله تعالى وحتى يومنا هذا.
أعمال وترجمات
——-
ويوضح الدكتور علي شعبان بعض الأعمال التي قام بترجمتها فيقول الأعمال التي ترجمتها:
1- أنظمة اللغة ومبادئ إعادة الصياغة في علم اللغة – مقال مترجم من الإنجليزية إلى العربية، منشور في مجلة ديوجين – العدد 81 – مايو/يوليو 1988- ص ص 1-24.
2- أسس تعلم اللغة وتعليمها (كتاب) – كتاب مترجم من الإنجليزية إلى العربية (مع أ.د. عبده الراجحي) – دار النهضة للطباعة والنشر – بيروت – 1994
3- قراءات في علم اللغة التطبيقي (كتاب) – كتاب مترجم من الإنجليزية إلى العربية – صادر عن الإدارة العامة للثقافة والنشر – جامعة الإمام محمد بن سعود – الرياض – السعودية – 1995
4- تربية الأولاد في الإسلام (كتاب) – كناب مترجم من العربية إلى الإنجليزية (مع آخرين) صادر عن دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة – القاهرة – 2001
5- من فقه الأقليات المسلمة (كتاب) – كتاب مترجم من العربية إلى الإنجليزية – مع أ.د. أحمد شفيق الخطيب – المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية – وزاة الأوقاف المصرية – القاهرة – 2003
6- المنتخب من معاني القرآن الكريم (كتاب) – كتاب مترجم إلى اللغة الإنجليزية – بالاشتراك مع أ.د. محمد محمود غالي وأ.د. أحمد شفيق الخطيب المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية – وزارة الأوقاف المصرية – القاهرة- 2006
7- المنتخب من معاني القرآن الكريم (كتاب) – كتاب مترجم إلى اللغة السواحيلية – بالاشتراك مع أ.د. محمد إبراهيم محمد، و أ.د. عبد الهادي حامد مرزوق- المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية – وزاة الأوقاف المصرية – القاهرة- 2007
8- معجم لونجمان للأفعال العبارية (معجم) – مترجم من الإنجليزية إلى العربية – بالاشتراك مع أ.د. محمد محمود غالي وأ.د. أحمد شفيق الخطيب – الشركة المصرية العالمية للنشر لونجمان – 2007
9- اكتساب اللغة الثانية (كتاب) – كتاب مترجم عن اللغة الإنجليزية للمؤلف: رود إليس بالاشتراك مع أ.د. أحمد شفيق الخطيب – القاهرة 2014
10- كيف نتعلم اللغات (كتاب) – كتاب مترجم عن اللغة الإنجليزية للمؤلفتين: باتسي لايتباون ونينا سبادا – صادر عن المركز القومي للترجمة – القاهرة 2014
11- القاموس الشامل سواحيلي – عربي – من إصدارات المركز القومي للترجمة بالاشتراك مع أ.د. عبد الحي سالم. 2015
دور الترجمة وأهميتها في نقل الثقافات والتواصل بين الشعوب
بينما يذكر الدكتور أيمن الأعصر أستاذ الأدب واللغة السواحيلي ووكيل كلية الترجمة جامعة الأزهر ويقول:
يعتقد البعض أن الترجمة هي نقل نص من لغة إلى لغة أخرى ولكن للترجمة دور اهم من ذلك بكثير ألا وهو نقل ثقافة وفنون شعب إلى شعب أخر فهي تساعد على تنمية العلاقات بين الشعوب في شتى المجالات ، كما أنها تعد عاملا مهما من عوامل توطيد العلاقات بين الشعوب كما تلعب الترجمة دورا مهما في نقل القيم المجتمعية بين الشعوب وذلك من خلال ترجمة الأعمال الأدبية بين اللغتين فيتعرف كلا الشعبين على عادات وتقاليد الآخر فيستفيد كلاهما من بعضهما البعض ،والترجمة بمعنى آخر تعد جسرا مهما للتواصل بين الشعوب للتعرف على ثقافات وعادات وتقاليد الشعوب فيما بينها
الترجمة نقل الثقافة بعاداتها وتقاليدها وفنونها
والترجمة من العربية وإليها لها أهمية كبيرة حيث تساهم الترجمة في نقل المعلومات والثقافة العربية بعاداتها وتقاليدها وفنونها المختلفة إلى اللغات الأخرى ،واللغة السواحيلية في شرق ووسط أفريقيا كغيرها من اللغات العالمية التي لها أهمية كبيرة في إفريقيا ولها أهمية كبيرة لمصر حيث تقع الدول الناطقة باللغة السواحيلية في منطقة منابع النيل ،ونهر النيل بالنسبة لمصر والشعب المصري منذ القدم وحتى قيام الساعة يمثل الحياة ،ومن هنا ندرك أهمية الترجمة من العربية إلى السواحيلية ومن السواحيلية إلى العربية للتقريب بين الشعوب العربية والسواحيلية حتى يسهل التفاهم والتعاون المشترك من أجل مستقبل أفضل للشعوب الناطقة باللغتين العربية والسواحيلية.
واللغة السواحيلية من بين اللغات الأفريقية التي تدرس في الجامعات المصرية وتعد جامعة الأزهر رائدة في ذلك منذ إنشاء قسم اللغات الإفريقية بكلية اللغات والترجمة عام ١٩٦٥/١٩٦٦ ومنذ ذلك الوقت ويتم تدريس عدد من اللغات الأفريقية مثل السواحيلية والهوسا والفولانية والأمهرية وكان للغة السواحيلية الحظ الأوفر حيث يدرسها الطلاب كلغة أفريقية أولى ويأخذ الطلاب إحدى اللغات الأفريقية الأخرى كلغة أفريقية ثانية .
ومن جهة أخرى فإن الكثير من الجهات الحكومية المهمة في مصر لجأت في الأعوام الماضية في الإهتمام بالترجمة من العربية إلى السواحيلية والهوسا والامهرية ،ومن جهة أخرى فإنني اقوم أيضا بالمشاركة في ترجمة الفتاوى لدار الإفتاء المصرية إلى اللغة السواحيلية وهذا المشروع يعد من المشروعات المهمة جدا لإبراز الوسطية التي يتميز بها علماء الأزهر الشريف.
ويوضح د الأعصر قائلا : أما عن دوري في مجال الترجمة من وإلى اللغة العربية والسواحيلية فإنني أشارك بشكل فاعل في ترجمة ومراجعة الكتب الدينية الإسلامية وترجمة خطب الجمعة للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية وكذلك المشاركة في مشروع ترجمة الفتاوى لدار الإفتاء المصرية.يضاف إلى ما سبق مراجعة الترجمات الأدبية من السواحيلية إلى العربية في مجال المسرح والرواية والقصة القصيرة والشعر والحكايات الشعبية ،وكذلك تحكيم الأعمال الأدبية المترجمة التي يقوم بترجمتها شباب المترجمين من العربية إلى السواحيلية وذلك إدارة المسابقات والجوائز بالمركز القومي للترجمة بوزارة الثقافة المصرية ،ومن ثم يمكن القول إن للترجمة دورًا مهما جدا في نقل الثقافات والتواصل بين الشعوب المختلفة.










