أخبار ومتابعات

ومضات على الطريق للدكتور عزيز أبو الليل: الومضةُ السابعة (الجزء الثاني: يعقوب ويوسف عليهما السلام)

ومضاتٌ على الطريقِ
الومضةُ السابعة (الجزء الثاني: يعقوب ويوسف عليهما السلام)
استعرضنا في الومضة السابقة كيف كانت غِيرة أخوة يوسف منه؟ وكيف جعلتهم يدبرون له أمرًا لا يليق بالعلاقة بين الأخوة؟ وكيف كانت محبة يعقوب له سببًا في ذلك؟ فكانت إرادة الله بأن يُصفي قلب يعقوب من أي محبة تتزاحم مع محبة الله، ثم رأينا كيف انتقل يوسف عليه السلام من كَنف أبيه إلى غيابات الجُب، ثم الذهاب إلى مصر لأمر ما اختاره الله له؟ فما هو هذا الأمر الذي رتبه الله ليوسف عليه السلام؟ وماذا سوف يحدث له في مصر؟ وهو سوف نتناوله في هذه الومضة.
هنا في قصر عزيز مصر يتربى يوسف عليه السلام، وتمر الأيام والسنون عليه حتى بلغ من الجسد والعقل أشده، وأتاه الله الحُكم والعلم وحَبَاهُ بالنبوة، حتى أُفتُتنتْ به زوجة عزيز مصر، التي هَمّتْ به ليرتكب الفاحشة، ولولا أن رأى برهان ربه لهَمّ بها؛ لأن لولا تفيد امتناع الوجود، فهو لم يَهِم بها من الأساس ليس نقصًا في رجولته ولكنه إيمانًا ورعاية وعصمة من ربه، وهذا خلاف ما قيل في هذا الأمر، وغَلّقت الأبواب (صيغة مبالغة في الإغلاق والإحكام لأبواب متعددة)، واستبقا هما الإثنين، هي لتمنعه من الخروج ممسكة به حتى قطعت قميصه من الخلف، وهو ليَخرجَ منه حتى وصلا سَويًا إلى الباب الأخير؛ فوجدا زوجها، فأدّعتْ عليه زورًا أنه راودها عن نفسها، ولما علم زوجُها وأيقن أنه برئ وهي مذنبة، بناءً على شهادة شاهدٌ من أهلِها إن كان قميصه قُدَّ من دبرٍ فكذبت وهو من الصادقين، هنا كان يجب أن يتخذ زوجها قرارًا ضدها لكنَّ المفاجأة أنه أمر يوسف عليه السلام أن يُخِفي الأمر ويُعرضْ عن الحديث فيه، حتى أذاعته نسوة في المدينة (قيل خمسة نسوة يسهل عليهم معرفة الأمر ونقله وهم؛ إمرأة الخازن وإمرأة الحارث وإمرأة السجان وإمرأة ساقي الملك وإمرأة الحاجب)، وتأكد ذلك عندما شاهدنا يوسف وانتشر الخبر في أرجاء المدينة، أن امرأة  العزيز تراود فتاها عن نفسه، بل إن هؤلاء النسوة طلبن ما طلبته إمراة العزيز لنفسها فستعصم يوسف عليه السلام بالله وطلب منه صرف كَيدهنّ جميعًا ولو بسجنه، ولما عَلِمت إمرأة العزيز أنه لا فائدة من يوسف عليه السلام هددته بأنها سوف تَسجُننه، ولم تقل تطرده أو تبيعه خشية أن يأخذوه منها، وكان ما أردت فَسُجِن يوسف وهو برئ.
ودخل يوسف السجن، وقابل فتيان كل منهما رأى رؤيا، وقبل أن يفسر لهما الرؤيا دعاهما إلى التوحيد بالله، حيث أن عبادة أله واحد خير من آلهة  متعددة لكل منهم أمر ونهي قد لا نستطيع طاعتهم معًا، وطلب من الذي ظن أنه خارج من السجن أن يذكره عند سيده الملك حتى يُخرجَه من السجن، فأنساه الله ذلك ومكث في السجن بضع سنين (من ثلاث إلى تسع سنوات)، وكان ذلك نوع من التعليم والتأديب، حتى رأى الملك رؤيا أفزعته ولم يَعلم أيًا من مستشاريه تأويلها، فطلب الفتى الذى نجا من السجن أن يرسلوه إلى يوسف ليُؤول الرؤيا، وكان التأويل من يوسف عليه السلام، فأمر الملك إخراجه من السجن فرفض يوسف حتى تظهر براءته، فاعترفت زوجة العزيز ببراءة يوسف عليه السلام.
وهنا فائدة تاريخية، المعروف أن مصر كانت فرعونية والحاكم فيها يسمى فرعون فلماذا ذُكر لفظ الملك هنا؟ باستقراء التاريخ اتضح أن تلك الفترة كانت مصر محتلة من الهكسوس الذين كانوا يسمون الحاكم لديهم بالملك وليس الفرعون.
وهنا في دار الحكم تغير الحال والمآل، وأصبح يوسف عليه السلام على خزائن الأرض!، نعم يوسف عليه السلام السجين أصبح على خزائن الأرض! كذلك مَكّن الله ليوسف عليه السلام في الأرض، وذلك بعد أن طلب يوسف عليه السلام أن يكون على خزائن الأرض (وزير الاقتصاد) لأنه حفيظ عليم، ثقة منه في تحقيق الرؤيا التي سبق وأن رأها الملك، وأن الفترة القادمة تحتاجه ليخرج البلاد مما سوف يصيبها من قحط، وما يملكه من متطلبات المهمة الموكلة إليه.
وهنا فائدة هامة، حيث يثار التساؤل هل يجوز طلب الولاية؟ نعم يجوز أن تطلب الولاية عندما تكون أهلًا لها بحيث يكون لديك الحكمة وحسن الإدارة، كما أنه قد يولد من المِحن المنح، فكيف كان يوسف عليه السلام؟! وكيف أصبح؟! ثقة منه في موعود الله له، وأن الإنسان لا يمك سوى التسليم بأمر الله، يتأخر عليك رزق كنت تتمناه أو تحرم من شىء كنت تتمناه بشدة؛ أعلم أن الله قد اختار لك الأحسن، فالتسليم لله؛ كأنك ميت بين يدي المغسل يحركك كيفما يشاء لا قوة لك ولا حراك ولا إرادة تستشعر لطف الله لك وترضى بقضائه،فإن أقدار الله التي تحدث للإنسان من غير اختيار منه لابد أن يتقبلها لأن لله فيها منحة وعلو درجة.
ثم نأتي إلى الفصل الأخير من القصة، وفي هذا المشهد؛ زاد الجدب في البلاد كلها واتسعت رقعة المجاعة، ومكن الله يوسف في الأرض يتنقل فيها كيفما يشاء رعاية منه وغوث لكل المناطق، وجاء الناس من كل مكان طالبين الغوث فكان يعطيهم القوت “القمح” ويأخذ منهم مقابل له من أشياء أخرى (ذهب- فضة- أحجار كريمة-دواب-…) وبعد انتهاء المجاعة رد لهم كل أشياءهم، وكانت العلة ألا يستهين الناس بالأكل المجاني فيسرفوا فيه وقت المجاعة، وهنا يأتي أخوة يوسف عليه السلام عليه طالبين القوت والمعونة، فيَعرفهم ولا يعرفونه، ويرفض طلبهم إلا بعد أن يأتوا له بأخ لهم من أبيهم “بنيامين”، ثم يضع لهم القوت في رحالهم سرًا، ورجعوا إلى أباهم طلبين أخذ بنيامين فيُذكرهم يعقوب عليه السلام بما فعلوا في يوسف فيأخذ منهم موثقًا بالحفاظ عليه، ويطلب منهم الدخول لمصر من أبواب متفرقة لحاجة في نفس يعقوب قضاها “منعًا للحسد”.
وهنا فائدة عظيمة، فكثرة أبواب مصر تدل على انفتاح مصر على العالم الخارجي منذ القدم، تفتح أذرعها بالعطاء لكل البشرية، وأنها منذ المهد أرضًا للرخاء عندما تجدب الأرض بأهلها.
ننتقل الآن للمشهد الأهم، أخوة يوسف عليه السلام يجتمعون أمام أخيهم للمرة الثانية ومعهم أخاهم من أبيهم شقيق يوسف، ويأوي يوسف عليه السلام أخاه بنيامين إليه ويخبره أنه أخاه يوسف، ثم يخبأ السقاية أوصواع الملك (ما يتم المكيال به عادة يكون شىء ثمين) في رحل أخيه، ويتم الإعلان عن سرقة صواع المك، ويطلب منهم الحكم في المسألة وفق شريعتهم لعلمه ان شريعتهم -على خلاف شريعة مصر- كانت تقضي بأن من يسرق يُأخذ عبدًا عند المسروق،ويتم التفتيش ويبدأ برحالهم ثم رحل أخيه حتى يتم حبك الأمر، ليجد الصواع في رحله، لكنهم يخطأون في حق يوسف مرة أخرى عندما يقولون أنه إن كان بنيامين سرق فقد سرق أخاه من قبل؛ يقصدون يوسف عليه السلام، وقيل في ذلك قصة أن عمة يوسف عليه السلام كانت تحبه حبًا شديدًا وكانت تريده معها فوضعت شيئًا في ملابسه وأتهمته بالسرقة لتأخذه عندها وفقًا لشريعتهم كما فعل يوسف مع أخيه، لذلك كان يقول عليه السلام: ما أحبني أحدٌ إلا أذاني (أباه وأخوته-عمته-إمرأة العزيز).
وهنا فائدة عظيمة، أنه يمكن الأخذ بشريعة الأخرين حال وجود الحق فيها لكنه يتطلب العلم بها، كما أنه يمكن المكر بالماكرين لتحقيق العدل، وإن من الحب ما قتل.
وأخيرًا يعود أخوة يوسف عليه السلام وفقًا لما خططه إلى أبيهم، فيُذكرهم أباهم بما فعلوا بيوسف عليه السلام، وهنا يتكلمون كلام الواثق من نفسه أنك لو سألت القرية والعير التي كنا فيها لقالت لك أننا صادقون وهو ما يفيد الصدق واليقين على خلاف ردهم في حالة يوسف عليه السلام “وما انت بمؤمن لنا لو كنا صادقين” والتي كانت تفيد الكذب والشك، سبحان مغير الأحوال، فبيضت عيناه من الحزن على يوسف وبنيامين، وطلب منهم العودة والتحسس من يوسف وأخيه.
وهنا فائدة، اختلف العلماء؛ هل هناك مجاز في القرآن من عدمه؟ وبعيدًا عن هذا الخلاف فقد اتجه رأي إلى أن قولهم أسال القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها مجازًا والمقصود أسال أهل القرية والقافلة، لكن أخرون قالوا المقصود القرية بالفعل حوائط القرية والبيوت والعير وكل ما هو غير عاقل، فإنك لو سألتهم لأجابوا عليك بأننا صادقون فيما قولنا عن أخانا بنيامين، ثقة في كلامهم ويقين لا يهتز، وهو سوف يحدث لسحرة فرعون عندما يؤمنوا بموسي ويقول لهم فرعون لأصلبنكم في جذوع النخل، ولم يقل على جذوع النخل، فقيل أن الله لو أرد لفظ “على” لقال لكنه قال: “في” لأنهم من شدة العذاب سوف يصلبوا في جذوع النخل وتختلط أجسادهم بالنخل فيصبحوا شيئًا واحدًا.
ويعود الأخوة مرة أخرى إلى مصر، حتى دخلوا على يوسف طالبين القوت لشدة القحط عليهم فأعلمهم أنه يوسف فاعترفوا بذنبهم وأنهم خاطئون، فغفر لهم قائلًا لا تثريب عليكم اليوم (التثريب اللوم العنيف) يغفر الله لكم، وأعطى قميصه لهم يضعوه على وجه أبيهم فارتد إليه بصره.
ثم كان المشهد الخاتم، يأتي أبواه  (يعقوب وخالة يوسف لوفاة أمه رحيل كما سبق وأنم ذكرنا عند مولد بنيامين حيث تذكر الخالة كأنها والدته عُرفًا عند وفاة الأم) وأخوته الأحد عشر، ويسجدوا له، وفقًا لشريعتهم في التحية وقتذ وليس العبادة، وتأويلًا لرؤياه وهو صغير، وهنا يغلق الستارعلى تلك القصة بما فيها من عبروفوائد.
هنا فائدة عظيمة، هناك نوعان من الناس؛ الخاطئ وهو من يرتكب الخطأ متعمدًا وهو يعلم بخطئه كما فعل أخوة يوسف عليه السلام، والمخطئ وهو من يقصد الصواب لكنه يُخطئ دون عمد أو قصد، ولما كانت النفس البشرية مهما بلغت من مكانة أو صلة معرضة للخطأ كما حدث مع أخوة يوسف النبي، وابن نوح وزوجته، وآزر أبو إبراهيم أبا الأنبياء، وقابيل ابن أدم أبا البشرية، بل أدم نفسه عندما عصى ربه؛ الكل معرض للخطأ لكن التوبة والرجوع إلى الله هما المعولان لقبول الله والمغفرة، جعلنا الله له تائبين وإليه منيبين.
أخيرًا… رأينا كيف انتصر الحق ولو بعد حين؟ كيف أصبحت مكانة يوسف عليه السلام؟ وكيف أصبح مآل أخوته؟ … لكن من هنا يبدأ نسل بني اسرائيل في الأرض، فماذا هم فاعلون؟ وإلى أي طريق يسيرون؟ وهو ما سوف نتحدث عنه في الحلقات القادمة بإذن الله تعالى.

زر الذهاب إلى الأعلى