أخبار ومتابعات

ومضات على الطريق للدكتور عزيز أبو الليل: ومضاتٌ على الطريقِ الومضةُ السادسة (الجزء الأول: يعقوب ويوسف عليهما السلام)

استعرضنا في الومضة السابقة كيف يُعاقب الله عز وجل من يتعدى حدوده ويقلب الطبيعة البشرية والفطرة الإنسانية، وتكون العقوبة من جنس العمل، فكما تدين تدان، وهو ما حدث مع قوم لوط.
ولم تتوقف الحياة عند الذي حدث لقوم لوط من هلاك، بل استمرت البشرية؛ يحيا أقوام ويموت أخرون، فما بكت عليهم السماء، وما كانوا منظرين، حيث تسري سُنة الله في كونه، من أسلم وجهه لله سَلِم، ومن تَعدى عُوقب، حتى نصل إلى يعقوب وولده يوسف عليهما السلام، وهي من أحسن القصص، وآياتٍ للسائلين أي معجزة، (والآية تأتي بثلاثة معاني؛ الأولى الآية الكونية والثانية المعجزة والثالثة الآية من القرآن) لأنها اشتملت على عِبر متعددة في حياة يوسف عليه السلام من الطفولة إلى الشباب إلى الشيخوخة، بجانب الحقد بين الأخوة والتمرد على الأب، وحب كل من يرى يوسف، ودخوله السجن مظلومًا دون سخط منه، وعفوه عن أخوته، وتحقق رؤيته، وهو ما سوف نسرده بإيجاز شديد لنأخذ منه العبرة والعظة.
سبق وأن ذكرنا أن إبراهيم عليه السلام أنجب إسماعيل واسحاق عليهما السلام، ثم أنجب اسحاق عليه السلام توأم سُمِى الأول “عيصو” وهو ما تُسميه العرب “العيص”، والذي جاء من نسله الروم، والثاني خرج وهو آخذ بعقب أخيه الأول فسموه “يعقوب” وهو اسرائيل الذي ينتسب إليه بنو إسرائيل.
إذن يعقوب عليه السلام هو اسرائيل النبي بن اسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، فهو نبي ابن نبي ابن خليل الله، سلسال من نور النبوة، أنجب من الأولاد عشرة أولاد من زوجة وأمتين وانجب يوسف عليه السلام وأخيه بنيامين من زوجته “راحيل” التي توفيت بعد ولادة بنيامين، وذُكِرتْ في سيرته إسرائيليات كثيرة أغاليط لا داعي للخوض فيها، منها على ىىسبيل المثال لا الحصر أنه تَصارع مع ملك من الملائكة فغلبه، والملاحظ أنه قد أوصي يعقوب أولاده الأثنى عشر ألا يموتوا إلا وهم مؤمنون.
وقد أُعطي يوسف عليه السلام شق الجمال، فكان شديد الجمال، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، ظهرت عليه ارهاصات النبوة التي استشفها يعقوب عليه السلام، فزادت محبته في قلبه، حتى غار منه أخوته، وقالوا إن أبانا لفي ضلالٍ مبين، والضلال هنا ليس الضلال المتعمد من الذي يعرف الحق ويحيد عنه، وهو الضلال المذموم، وإنما هو الضلال غير المقصود حين لا يعرف الإنسان الحق أو لأنه ينسى كما ذكر القرآن عن نسيان الشهود من النساء بأنه ضلال، وهنا قياس عجيب من أخوة يوسف اختلت فيه النتائج عن المقدمات؛ حيث ذكروا أن حب أبيهم ليوسف وأخيه (بنيامين) من الضلال “غير المقصود” بناءً على مقدمة أنهما صغيران وهم عصبة مما كان يستلزم من حيث العقل أن يفهموا أن هذا الحب لهما لصغرهما في السن وكبر باقي الأخوة وهذا أمر منطقي وفقًا للطبيعة البشرية.
وتحفظ يعقوب عليه السلام على يوسف عليه السلام وخاف عليه أشد الخوف مما رأه من غِيرة أخوته، مما زاد من حفيظتهم عليه، حتى رأى يوسف عليه السلام رؤياه بأنه رأى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر له ساجدين، فلما قص ذلك على أبيه زاد خوفه عليه، وأمره بألا يقص ذلك على أخوته فيزدادوا غِيرة عليه؛ لأن الرؤيا تدل على عُلو المكانة، وعلل ذلك بأن الشيطان عدو مبين قد ينزغ بين الأخوة.
وهنا فائدة عظيمة، أن الرؤيا على رِجل طائر ما لم تُعبر، فإذا عُبرت وقعت، مما يلزم كتمان النعمة حتى تظهر، بجانب أن الإعجاز هنا في أمرين؛ الأول في اجتماع الشمس والقمر معًا على خلاف الطبيعة، والثاني أنه رأهم مرتين المرة الأول على طبيعتهم وقام بحساب عدد الكواكب (أحد عشر كوكبًا)، والثانية وهم له ساجدين وهو ما يدل على اختصاص السجود له وحده، وهو سجود للتكريم بأمر الله وليس للعبادة، كما سجد الملائكة من قبل لآدم عليه السلام، وقد استخدمت كلمة رؤيا والتي تدل على رؤيا المنام، ولم تستخدم كلمة رؤية لأنها تدل على رؤية المستيقظ، وهو دليل على أن يوسف رأى ذلك في المنام.
والآن ننظر إلى هذا المشهد وهذا الاجتماع السري، الذي أجمع فيه الأخوة أمرهم على يوسف عليه السلام، وأخذوا يتشاورون في الخَلاص منه ليَخلو لهم وجه أبيهم، وكانت الاتجاه بين القتل والطرح أرضًا، ثم يتوبون بعد ذلك ويصبحوا قومًا صالحين، حتى وصل بهم الحال ترفقًا به (ظهورجزء من عاطفة الأخوة وتخفيفًا من الضرر به) إلى ان يجعلوه في غيابات البئر(المنطقة الخفية منه) ليأخذه المارة من المسافرين دون قتله، لكن هل من حيلة يأخذونه بها من أبيهم الذي أحاط به سياجًا من الحرص والخوف؟ فكانت الفكرة التي أرسلها لهم إبليس…إبليس هل لازال معنا..نعم لم يتركنا لحظة..بل هوالمتسبب في جُل الأحداث التي تَطوف بها البشرية منذ بدأ الخليقة حتى تقوم الساعة…اتفق الأخوة على أن يطلبوا من أبيهم أن يرسل معهم يوسف عليه السلام.-الطفل الصغير- ليَرتع ويَلعب ولم يقولوا يرعى ويعمل لكونه طفل صغير، لكن لم يكن لديهم الحجة التي سوف يقولونها لأبيهم بعد التخلص منه… يا لها من حيلة واستدراج ليوسف عليه السلام!
وافق الأب تحت إلحاح أبنائه، وكأنه يودع ابنه تحقيقًا لقدر الله المقضي به في علم الله الأزلي، وأعطى لهم الحجة التي كانوا يبحثون عنها بأنه يخاف أن يأكله الذئب.
وجاءت اللحظة الفارقة، عندما ألقوا أخاهم في البئر بلا رحمة ولا شفقة فلم تَرق قلوبُهم لرؤية أخاهم وهو يتودد إليهم، كل ما فكروا فيه هو كيف يخلو لهم وجه أبيهم في غيبة أخاهم، فربطوه بحبل ودلو، ثم قطعوا الحبل فسقط في وسط ماء البئر، وخرج يوسف عليه السلام من الماء وجلس فوق صخرة في عمق البئر، فأوحى الله ليوسف عليه السلام تلطيفًا وتطييبًا له وتثبيتًا لقلبه أن الله سينصرك عليهم ويرفع قدرك.
وبعد ما نفذوا ما أوعز لهم الشيطان فعله، وقفوا يستاءلون ماذا نقول لأبانا… فتذكروا قول أبيهم فقالوا نقول له أكله الذئب، ولطخوا قميصه بدمٍ كذبٍ، وجاءوا أباهم عشاءً يبكون بانفعال كاذب يستره الظلام حتى لا تفضحهم انفعالاتهم المصطنعة، ولكن يَكاد المريبُ أن يقول خذوني فقالوا وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين أي أنهم كاذبون، لكن أباه لم تنطوي عليه تلك الخدعة لأنه نظر إلى القميص فوجده سليم لم يمزق فقال لهم ما أرحم هذا الذئب يأكل يوسف دون أن يمزق قميصه، فقال لهم فصبر جميل (صبر بلا شكوى وبلا جزع)، ثم شكى أمره لله وحده.
وهنا فائدة هامة، ألا تُعطى خصمك ما يُساند به فعله نحوك، فقد أعطى يعقوب عليه السلام أبناءه الحجة التي سوف يقولونها له “أكله الذئب”، كما أن هناك فائدة أخرى أنه من المعروف أن الصبر يكون بثلاث؛ أن لا تحدث بوجعك، ولا تحدث بمصيبتك، ولا تزكي نفسك، وهو ما طلبه يعقوب عليه السلام من ربه دعاءً وتقربًا له وطلبًا للمعونة منه، وهو ما يجب أن نتحلى به عند وقوع المصيبة وعند المِحَن.
وجاءت قافلة وأخذت يوسف عليه السلام من البئر، وشروْه بثمن بخس زهيد، قيل أن أخوة يوسف عليه السلام انكروا صلتهم به وباعوه كأنه عبد لهؤلاء المارة، وارتضي يويسف ذلك مخافة القتل، وقيل أن من أخرجوه من البئر ذكروا لمن معهم في القافلة أنهم شروه من أصحاب البئر حتى لايتقاسموه معهم، ثم باعوه لعزيز مصر”الوزير” (أطفير بن روحيب) والذي كان على خزائن مصر، ووصي زوجته (زليخا) بإكرام مثواه لانهما كانا لاينجبان، فكان لهما بمثابة الولد، وكأنه اشتراه لها، وذلك من مظاهر فساد البيتوت دخول الخدم من الرجال على النساء والعكس، وبذلك مَكّن الله ليوسف عليه السلام وعِلّمه من تأويل الأحاديث، والله غالب على أمره يفعل ما يشاء بحكمته التي قد لانعلمها.
أخيرًا… رأينا كيف كانت غيرة أخوة يوسف منه، وكيف جعلتهم يدبرون له أمرًا لايليق بالعلاقة بين الأخوة، وكيف كانت محبة يعقوب له سببًا في ذلك، فكانت إرادة الله بأن يُصفي قلب يعقوب من أي محبة تتزاحم مع محبة الله، ثم رأينا كيف انتقل يوسف عليه السلام من كنف أبيه إلى غيابات الجُب، ثم الذهاب إلى مصر لأمر ما اختاره الله له، فما هو هذا الأمر الذي يرتبه الله ليوسف عليه السلام؟ وماذا سوف يحدث له في مصر؟ وهل سوف تتحقق رؤيا يوسف عليه السلام؟ هو ما سوف نتناوله في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى.

زر الذهاب إلى الأعلى