
تنشر بوابة “يوتوبيا” قراءة لكتاب “المسرح التنموي.. النظرية والتطبيق” تأليف د. راندا رزق، تقديم د. أحمد زايد، وذلك ضمن سلسلة (دراسات في المسرح المعاصر) التي يصدرها المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية.
وتستهل الكاتبة في مقدمة كتابها بالمقولة التي خلَّدها التاريخ: «أعطني مسرحًا وخبزًا أعطيك شعبًا عظيمًا» قيل إن قائلها هو الكاتب الكبير والشاعر وليام شكسبير، ويقال أيضًا إن الفيلسوف اليونانى أفلاطون هو أول من تفوه بها، ولسنا نبحث عن القائل الحقيقى لها، ولكن ما يهمنا إزاء هذه الجملة هو المعنى الحقيقي الذي تضيفه.
ويمكننا أن نضيف مقولة أخرى للفيلسوف والمسرحى الفرنسى فولتير، وهي قوله: «فى المسرح وحده تجتمع الأمة ويتكون فكر الشباب وذوقه، وإلى المسرح يفد الأجانب ليتعلموا لغتنا لا مكان فيه لحكمة ضارة ولا تعبير عن أية أحاسيس جديرة بالتقدير إلا وكان مصحوبا بالتصفيق؛ إنه مدرسة دائمة لتعلم الفضيلة».
لا شك أن الحديث عن المسرح يتطلب اقتحام جميع مجالاته المتعددة والغوص فيها، سواء تعلق الأمر بالنصوص أو المجلات المختصة، أو السينوغرافيا، أو تكوين الممثلين. ولا شك أيضًا أن إنشاء حركة مسرحية ذات أسس أكاديمية تفتح نافذة للموهوبين من الشباب في كل المجالات تتطلب جيلًا من المختصين في هذا القطاع بقصد إعطائه المكانة اللائقة به وجعله يلعب دوره التوعــوي والتعبوي والتثقيفي داخل المجتمع الذي ينظر للمسرح بأشكاله المختلفة باعتباره مرآة تعكس واقعه وآلامه وأماله وطموحاته، ومن هنا فهو تصـوير للواقع بشــــكل فني.
وإذا كان المسرح وسيلة لتغيير المجتمع، فإن الدارس من خلال هذا المنطلق يسعي إلى إمكانية توظيف تقنيات المسرح التنموي كآلية لخلق علاقة مباشرة مع الجمهور لمواجهة قضاياه، وإدماجه في العرض المسرحي ليكتشف ذاته ومشكلاته الاجتماعية، وليجعله جزءً من حل المشكلة؛ إذ يري الدارس أن المجتمع بحاجة إلى هذا الأسلوب المسرحي الذي يتناول قضاياه بشكل مباشر لمعرفة جذور المشكلة والعمل على كيفية المساهمة في حلها عبر مسرح يكون أقرب لطبيعة وثقافة المجتمع، لذلك اعتمدت الدراسة أسلوبَ المسرح التنموي لتميُّزه بالتقنيات المسرحية التي تتيح فرصة المناقشة المباشرة مع المتلقي.
وقد نشأ المسرح تاريخيًا كطقس يحاكي سلوك البشر معبِّرًا عن طبيعة حياتهم اليومية، وكفعل إنساني ناتج عن فكر بشري فرضه الواقع، بالإضافة إلى مروره بكثير من التغييرات في الشكل والمضمون والوظيفة، مرتبطًا بطبيعة ثقافة المجتمع الذي نشأ وترعرع فيه، سواءً كان ذلك بطريقة واعية أو غير واعية، مساهمًا بطريقة أو بأخرى في إحداث متغيرات اجتماعية في إطار وظيفته التي تميز بها منذ نشأته وتطوره عند الإغريق؛ وصولا إلى مرحلة ظهور الأشكال والأساليب المسرحية الجديدة التي أبرزها أبرزهما المسرح الملحمي والمسرح التنموي.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا وجد المسرح؟ ولماذا يشكل جزءًا مهمًّا من المجتمعات الإنسانية؟ أين تكمن أهمية المسرح؟ وتكمن الإجابة في كَوْن المسرح مُعَبِّرًا بليغًا عن كل حاجاتنا الإنسانية التي لا تقتصر على الطعام والأمان وكسب الاحترام والحياة فحسب، ولكن تعبيره أيضًا عن الإبداع والتجربة علما أن أوج الإبداع هو خوض التجربة.
ويتضاعف الدور الاجتماعي للمسرح عندما يتصل بالأجهزة التثقيفية الأخرى المسموعة والمرئية وغيرها، كي يسخرها لأغراضه سواء بالسلب أو الإيجاب، وعلى هذا تصبح الأهمية مركبة؛ لأن رقعة الجماهير التي يتصل بها تتسع أكثر، فقد يتحدد تأثير المسرح الحي المباشر بزمانه ومكانه، ولكن يترامي مداه ويعمق إن هو أقام علاقات دبلوماسية صحيحة مع المؤسسات الثقافية ووسائل الإعلام الأخرى.
ولعل أشكال المسرح التي تعنينا بالشكل الأكبر في هذا البحث هي الأنماط المسرحية القائمة على تطوير المجتمعات وتنميتها وإحداث التغيير الاجتماعي والثقافي والاقتصادي بها، ومن أمثلتها، المسرح التفاعلي أو التحفيزي الذي ظهر نتيجة لعوامل عديدة لعل أهمها أنه نشأ بالوازي مع الحركات المعارضة في أمريكا وأوروبا ما بعد عام 1968م، وأخذ في التطور مع الشكل الجديد للعالم والصراعات التي بدأت تحكمه وما ترتب عنها من مشكلات جمة كقضايا المهاجرين والصراعات الاقتصادية والحروب الإثنية وغيرها من المشكلات، وإن كان من الممكن أن نرصد التأثير المباشر لظهور هذه الصيغة المسرحية بربطها بظهور المجتمعات المدنية الحديثة التي باتت تبحث عن سبل جديدة موازية لمكافحة مشكلات العالم والتصدي للقضايا التي خلقتها العولمة.




