د فايد محمد سعيد يكتب : جعلنا لأحدهما جنتين – من سلسلة عندما يكون المستحيل هو الحل (١٧)
متابعات يوتوبيا

بعد أن أطلّ علينا أصحاب الكهف، وعلّمونا أن الإيمان قادر على الصمود بلا سند دنيوي، يقودنا القرآن إلى فضاء آخر من الابتلاء، أكثر عمقًا وخفاءً: ابتلاء الرخاء. ليس هنا اضطهادٌ، ولا نفيٌ، ولا تهديد بالموت، بل نعم متدفقة، وكمال في الأرض والثمار والأنهار، بحيث ينسى القلب من أين جاءت كل تلك الوفرة. يقول الله تعالى:
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾.
جنتان، ليست واحدة. أعناب ونخيل وزروع وأنهار تتدفق كما لو أن الزمن توقف عندها. كل شيء مكتمل، بلا نقص، بلا تأخير، بلا إخفاق. والقرآن يخبرنا أن الوفرة نفسها تحمل اختبارًا خفيًا: أن يصل الإنسان إلى كمال النعمة فينسى من أين جاءت، ويظن أن ما هو تحت قدميه أبدي.
يمشي صاحب الجنتين بين أشجارها، الثمار تنحني بين يديه، والماء يجري تحت قدميه، والظل يحميه من الشمس، ويهمس شعور خطير في قلبه: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾. ليس إنكارًا لله، ولا تحديًا صريحًا، بل افتراض استمرار الحال. ومن هذا الافتراض يولد وهم أعظم: أن الساعة بعيدة، وأن الآخرة ليست قريبة.
إلى جانبه يقف الرجل المؤمن، أقل مالًا، أقل جاهًا، لكنه أصفى بصيرة. لا يلوم، بل يذكّر:
﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾.
التذكير لا يجرّده من ملكه، بل يعيد له إدراك حقيقة النعمة، ويعيد القلب إلى معنى الافتقار إلى الله. فالقرآن يخبرنا أن العلاج للكبرياء ليس الإذلال، بل استعادة الوعي والذكر، وإدراك أن البقاء ليس حقًا مكتسبًا، بل عطية.
لكن الكلمات وحدها لم تكفِ. فجاء الانهيار الإلهي فجأة: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾. لم تهب ريح، ولم تتساقط أمطار، بل جاء القضاء شاملاً، ليترك الأرض يبابًا. الرجل الذي كان يمشي معتزًّا بذاته صار يقلب كفيه ندمًا: «يا ليتني لم أشرك بربي أحدًا». ما عجزت عنه الأنهار، وما لم تقنعه المواعظ، حققه الفقد.
من منظور دنيوي، يبدو الحدث مأساة. لكن القرآن يخبرنا أن هذا الانهيار كان خلاصًا. لو بقيت الجنة، لربما رسخ الكبرياء، ولربما ترسّخت الغفلة في قلبه. الانهيار وحده أوقف مسار الفساد، وحوّل التملك إلى درس في التواضع، والوفرة إلى وعظ صامت.
تتوازى هذه القصة مع قصة أصحاب الكهف: أولئك فقدوا الدنيا فحفظوا الإيمان، وهذا ربح الدنيا وكاد أن يخسر الإيمان. الاضطهاد يمتحن الصبر، والرخاء يمتحن الشكر، والشكر أكثر هشاشة؛ ففي الشدة تتعلق القلوب بالله، أما في الرفاه فتغدو سهلة الانصراف.
القصة تتجاوز الإطار التاريخي لتخاطب كل عصر يخلط بين الاستقرار والديمومة، بين الوفرة والأمان المطلق. فالقرآن يخبرنا بأن الملكية مجرد استخلاف مؤقت، وأن عبارة «سيبقى هذا دائمًا» قد تكون أخطر الكلمات على الروح. الكبرياء يبدأ بصمت، والفقد قد يكون التدخل الإلهي الذي يوقظ القلب الغافل.
في النهاية، يوضح القرآن أن ما يبدو ثابتًا هشّ، وما يبدو مأساة حماية، وما يبدو خسارة رحمة مستترة. حين يكتب الله قصتنا، لا يحسب فقط ما نملك، بل يحفظ ما نصير إليه. أحيانًا يكون الحل المستحيل لفساد الروح هو سقوط ما ظنناه لا يسقط. سقوط الجنة لم يكن هدمًا فحسب، بل كان إنقاذًا للقلب، وأعظم درس في التواضع والشكر










