أخبار ومتابعات

د. فايد محمد سعيد : تغيير المفاهيم في الهدي النبوي: قراءة في فلسفة التصحيح والتقويم القيمي

متابعات يوتوبيا

 

 

تقوم الرسالة النبوية في جانب مهم من جوانبها على إصلاح المفاهيم وتقويم التصورات، وفق معايير إلهية تخالف كثيرًا من مقاييس البشر السطحية أو المتعجلة. ويبرز هذا البعد التصحيحي من خلال عدد من الأحاديث النبوية التي تُعيد تعريف بعض القيم السائدة، مثل القوة، والإفلاس، والرائحة، وفق معيار الحق عند الله لا عند الناس. هذا المقال يستعرض ثلاثة نماذج من الهدي النبوي الشريف، ويتأمل في دلالاتها الفلسفية والتربوية، ويبرز كيف يُنشئ النبي ﷺ وعيًا جديدًا يقوم على تقويم الباطن لا ظاهر الأشياء، ومراعاة المآل لا الحال، والحقيقة لا الانطباع

ومن خصائص الرسالة المحمدية أنها لم تكتفِ بدعوة الناس إلى عبادة الله وحده، بل انطلقت تُقوِّم المفاهيم، وتُصلح التصورات، وتُعيد تشكيل العقل الجمعي للأمة على أسس من الحكمة، والعدل، والتقوى. وهذا المسلك جزء من «فلسفة الإصلاح» التي جاء بها خاتم النبيين ﷺ، والتي تتجلّى في ألفاظه وتقريراته وتوجيهاته.

وقد أحسن ابن القيم حين قال: “وهو -صلى الله عليه وسلم- أصدق الناس نظرا، وأصوبهم رأيا، وأصحهم قياسا، وأهداهم طريقا؛ لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى”¹. ومن هذا المنطلق، تتناول هذه الورقة ثلاثة نماذج من الأحاديث النبوية تُجسّد كيف كان النبي ﷺ يُعيد تعريف المفاهيم الشائعة، فيقلب موازينها، ويُهذّب دلالاتها، ويُنير فيها ملامح الغيب والحكمة.

أولًا: معيار الطيب والقبول: خلوف فم الصائم نموذجًا

عن النبي ﷺ قال:

“والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك”².

هذا الحديث يُعيد تعريف مقياس “الطيب” و”القبول”. فالناس تألف أن الطيب هو ما تُستحسن رائحته، وأن الكراهة تتعلق بما يُشمّ من روائح منفّرة، لكن الحديث الشريف يقلب هذا التصور الظاهري؛ فخلوف فم الصائم –وهو تغير الرائحة بسبب الجوع– وإن كان مكروهًا عند البشر، إلا أنه محبوب عند الله، بل أطيب من ريح المسك.

هذا انقلاب مقصود في المفهوم، يلفت النظر إلى أن القيمة ليست في ظاهر الشيء بل في حقيقته، وأن القرب من الله يُقاس بما وراء المادة، أي بنيّة العمل وصدقه لا بمظهره. وبهذا يرسّخ الحديث مبدأ “التقويم الإلهي” مقابل “التقويم البشري”، وهي قاعدة مركزية في فلسفة الإسلام:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

 

ثانيًا: المفلس الحقيقي: إعادة تعريف الخسارة الأخروية

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:

“أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار”³.

هذا الحديث الشريف يصوغ مفهومًا جديدًا للإفلاس، مختلفًا تمامًا عما يجري على ألسنة الناس. ففي اللغة العرفية، “المفلس” هو من فقد المال، أو فشل في التجارة، أو عجز عن السداد. أما في ميزان الآخرة، فالإفلاس الحقيقي هو الخسارة الروحية، رغم توفر “الرصيد الظاهري” من الأعمال الصالحة.

وهنا تتجلى عبقرية البيان النبوي في كشف الغطاء عن التصورات الخاطئة، وترسيخ معيار “النجاة الأخروية” لا “النجاح الدنيوي”. فليس كل من صلى وصام نجا، إن كان ظالمًا في سلوكه، مفلسًا في ضميره، مُعتديًا على حقوق الناس.

 

ثالثًا: القوة الحقيقية: الغضب والانضباط النفسي

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:

“ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”⁴.

يُعرف الشديد –عند الناس– بأنه القوي الجسماني، أو من يغلب خصمه في الصراع البدني. لكن النبي ﷺ يعيد ضبط المفهوم، ويجعل القوة الحقيقية في التحكم الداخلي لا الغلبة الظاهرية.

فمَن يملك نفسه عند الغضب، ويكبح جماح انفعالاته، ويتصرف بحكمة في لحظة التوتر، هو القوي في ميزان الإسلام. وهذه دعوة لثقافة الانضباط النفسي، والتمكن من الذات، وهي من خصائص النضج الإنساني، وقد عدّها العلماء أساسًا في تربية النفس⁵.

تأصيل فلسفي: معيار الله لا معيار الناس

ما تشترك فيه هذه الأحاديث –رغم اختلاف موضوعاتها– هو أنها تضع معيارًا إلهيًا جديدًا يقلب المفهوم الدنيوي أو الظاهري السائد، لترسيخ معايير الغيب، والنية، والمآل. فـ”المسألة ليست في ما يبدو للناس، بل في ما يوزنه الله”. وهذه فلسفة قرآنية راسخة، مثل قول الله تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42] وقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: 9] ﴿يَوْمَ تُبْلَى﴾: أي تظهر حقيقة ما في النفس، لا مجرد الصورة الخارجية.

وبعد فلقد جاء النبي ﷺ لا ليُغَير السلوك فقط، بل ليُعيد تشكيل العقل والقيم والمفاهيم، ويزرع في الأمة موازين ربانية لا تخضع للهوى، ولا تنحرف بالمظاهر. وهذه المهمة لا تزال قائمة، وهي واجب العلماء والدعاة في كل عصر: أن يُعيدوا توجيه الناس نحو الحقيقة، ويحرروا العقول من القيود الوهمية التي جعلت للغنى، أو القوة، أو الرائحة، أو المال سلطانًا على الأحكام، فليس كل ما يُمدَح عند الناس ممدوحًا عند الله، ولا كل ما يُذم في الدنيا مذموم في الآخرة.

الهوامش:
1. ابن القيم، مدارج السالكين، ج2، ص 438.
2. رواه البخاري (1904) ومسلم (1151).
3. رواه مسلم (2581).
4. رواه البخاري (6114) ومسلم (2609).
5. ينظر: الغزالي، إحياء علوم الدين، ج3، كتاب كسر الغضب والحقد والحسد.

زر الذهاب إلى الأعلى