أخبار ومتابعات

د زياد عبد التواب يكتب: المحافظ الإلكترونية في مصر: قراءة في تقرير الربع الثاني 2025

مقالات للرأي

لم يعد الحديث عن الاقتصاد الرقمي والتحول إلى مجتمع لا نقدي والشمول المالي وادواته كما قد يتصور البعض انه مجرد ترفًا فكريًا أو وجاهة تكنولوجية غير لازمة، بل أصبح واقعًا يتجسد في أرقام وحقائق واحتياجات يومية وهنا يأتي تقرير الربع الثاني لعام 2025 حول المحافظ الإلكترونية التابعة لشركات الاتصالات في مصر الصادر عن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات التابع للوزارة الاتصالات و تكنولوجيا المعلومات ليعكس هذا الواقع، وليمنحنا صورة أوسع عن حجم انتشار هذه المحافظ، وطبيعة استخدامها، والفئات الأكثر انخراطًا فيها، والتحديات والفرص الكامنة وراءها.

فبحسب التقرير، بلغ إجمالي عدد المحافظ الإلكترونية نحو 46.3 مليون محفظة بنهاية الربع الثاني من 2025، مقارنة بـ 35.8 مليون محفظة في الفترة نفسها من العام السابق، أي بزيادة تقارب ال 29 % ، أما على صعيد العمليات المالية المنفذة عبر هذه المحافظ، فقد وصل عددها إلى 717.7 مليون عملية، مقابل 397.7 مليون عملية في الربع الثاني من 2024، وهو ما يعكس زيادة هائلة تصل إلى حوالى 80% ، الأمر الأكثر لفتًا للانتباه هو إجمالي قيمة العمليات المالية، والتي قفزت من 548.6 مليار جنيه إلى نحو 943.4 مليار جنيه، أي بزيادة قدرها 72%

والحقيقة ان هذه الأرقام لا تعني مجرد توسع في استخدام تطبيق الكترونى وحسب ، بل تعكس تحولًا في أنماط الدفع لدى شرائح عديدة في المجتمع المصري، وتؤكد أن المحافظ الإلكترونية أصبحت أحد الأعمدة الرئيسية في بناء منظومة الشمول المالي و تعكش مدى الثقة في تلك الأدوات التكنولوجية مقارنة بعقود سابقة كان اللجوء اليها يحتاج الى الكثير من محاولات الطمأنة والاقناع لأفراد عاشوا و تربوا وورثوا التعامل النقدي الممسوك، ثم حدث التحول التدريجي بداية من وضع الأموال في حسابات بنكية مرورا بكروت الدفع وكروت الائتمان وصولا الى المحافظ الالكترونية وتطبيقات الدفع والتحويل المالي.

التقرير يظهر تفوق أحد تلك الشركات وربما يعود ذلك الى كثرة عدد المشتركين فيها في خدمات الهاتف المحمول العادية حيث استحوذت على 55% من المحافظ، و78% من العمليات، و81% من قيم العمليات المالية، يليها الشركة الثانية بنسبة 21% من المحافظ، ثم الثالثة بـ 19%، وأخيرًا الرابعة بنسبة 5% فقط.

اما عن طبيعة الاستخدامات، فعند النظر إلى توزيع العمليات المالية وفقًا لطبيعة الخدمة، نجد أن التحويل من محفظة لأخرى يمثل النسبة الأكبر (54% من عدد العمليات 71% من قيمتها). يليه الإيداع المباشر22% والايداع من الحسابات 65% والمدفوعات الالكترونية في حدود 15% وشحن الهواتف والانترنت في حدود 6%

هذا يوضح أن المحافظ الإلكترونية لا تُستخدم بعد بالقدر الكافي كوسيلة للدفع المباشر في الأسواق أو عبر الإنترنت، بل تتركز بشكل رئيسي في التحويلات المالية بين الأفراد. وهو مؤشر مزدوج قهو من ناحية، يكشف عن ثقة متزايدة في المحافظ كوسيلة آمنة للتحويل، ومن ناحية أخرى يبرز الحاجة إلى تعزيز منظومة المدفوعات الرقمية في قطاعات التجارة والخدمات وزيادة الحوافز المحفزة على الاستخدام في هذا الاتجاه وربما منها عمل خصومات او تقليل مصاريف الدفع الإضافية.

يشير التقرير أيضا الى أن الذكور يمثلون 67% من أصحاب المحافظ، مقابل 33% للإناث، اما من حيث الفئات العمرية، فالأكبر استخدامًا هي الفئة بين 36 و45 عامًا (26%)، تليها الفئة 26-35 عامًا (25%)، ثم الشباب 16-25 عامًا(20%).
وعلى المستوى الجغرافي، تأتي القاهرة في الصدارة (19%)، تليها الجيزة(10%)، ثم الشرقية (7%) والإسكندرية (6%) والدقهلية (6%).

وهذه الخريطة تلقى الضوء على ثلاثة أبعاد، أولها ان ن المحافظ الإلكترونية ما زالت تتركز في المدن الكبرى.، وثانيها أن الفئات الأكثر نضجًا اقتصاديًا (36-45 عامًا) هي الأكثر اعتمادًا عليها، بينما الشباب لم يدخلوا بقوة بعد، وثالثها وجود فجوة ملحوظة بين الذكور والإناث في الاعتماد على هذه التكنولوجيا، وبغض النظر عن الأسباب التي قد يكون بعضها منطقيا مثل ان تلك الفئة العمرية تمثل ارباب الاسر و العاملين الذين يقومون بالإنفاق او بأغلبه الا ان هذا لا يجب ان يمنع من تحفيز الفئات العمرية والاناث للمزيد من الاندماج والتفاعل والاستخدام

ولذلك نجد ان التقرير يشر الى بعض الإجراءات التي اتخذها الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات عدة إجراءات لدعم هذا القطاع

منها تعزيز حماية المستخدمين عبر تطوير ضوابط الأمان وتقليل احتمالات الاحتيال وعمل حملات توعوية بالأمن السيبرانى ومخاطر الانتهاكات وأيضا أشار الى إتاحة استقبال التحويلات من الخارج عبر المحافظ، وهو ما يفتح الباب أمام ملايين المصريين العاملين بالخارج لتحويل أموالهم مباشرة لأسرهم.

هذه الخطوات تشير إلى إدراك الدولة بأن المحافظ الإلكترونية ليست مجرد خدمة مالية، بل أداة استراتيجية لتحقيق الشمول المالي وتقليل الاعتماد على الدفع النقدي و استخدام النقود والحقيقة ان السوق المصري من الأسواق الكبيرة والواعدة اقتصاديا في الكثير من المجالات و منها بالطبع مجال الشمول المالي ، فلقاعدة السكانية ضخمة بها حوالى 110 مليون من البشر ثلاثة اربعهم تحت سن الأربعين و أيضا نجد ان معدلات انتشار الهاتف المحمول مرتفعة مقارنة بعدد السكان و كذا مستخدم شبكة الانترنت بالإضافة الى الجهود الحكومية الواضحة لدعم التحول الرقمي و الشمول المالي على حد سواء.

 

زر الذهاب إلى الأعلى