تقرير من المسجد الحرام إلى سدرة المنتهى: تأملات في أعظم رحلة سماوية للدكتور فايد محمد سعيد
تقرير

الإسراء والمعراج معجزة النبي الأكرام التي لا تزال تنبض بالدروس والعبر التي تزكي الروح وتعمق الإيمان ، وفي هذا الإطار يسر بوابة يوتوبيا أن تعرض بعض النقاط المتعلقة بالإسراء والمعراج ، ويسردها الدكتور فايد محمد سعيد
مستشار الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية لشؤون الفتوى،
والذي يحاضر في العديد من الجلسات والندوات العلمية التي تعقد في المملكة المتحدة (بريطانيا) وأمريكا، وكندا، وأوروبا، وأفريقيا.
فيقول فضيلته :
حادثة الإسراء والمعراج تمثل معجزة استثنائية أكرم الله بها نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، وهي تجمع بين الدلالات العقائدية، والتكريم الإلهي، والدروس المستفادة للأمة الإسلامية. جاءت هذه الحادثة بعد فترة عصيبة مر بها النبي صلى الله عليه وسلم، إثر فقدانه لركني الدعوة الأولين: السيدة خديجة رضي الله عنها، زوجته التي كانت سنده الروحي، وعمه أبي طالب، الذي وفر له الحماية الاجتماعية. في ظل هذه الأزمات، أكرمه الله برحلة سماوية غير مسبوقة، ليؤكد له علو مكانته وخصوصيته عند ربه.
قال الله تعالى في مستهل سورة الإسراء:
{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1].
وفي سورة النجم، أشار سبحانه إلى جانب من المعراج:
{وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ} [النجم: 13-17].
أدلة ثبوت الإسراء والمعراج
القرآن الكريم
النصوص القرآنية جاءت قطعية الثبوت والدلالة على وقوع هذه الحادثة. فقد بدأت سورة الإسراء بتسبيح الله وتمجيده، مشيرةً إلى أن الإسراء كان بعبد الله محمد صلى الله عليه وسلم، وهو تكريم لمقام العبودية ذاته، الذي يمثل أعلى مراتب القرب من الله.
السنة النبوية
جاءت حادثة الإسراء والمعراج في أحاديث صحيحة رواها الصحابة رضوان الله عليهم، ومنها حديث أنس بن مالك رضي الله عنه في صحيح مسلم، الذي وصف تفاصيل الرحلة من مكة إلى المسجد الأقصى، ثم العروج إلى السماوات العلى. كما أخرج البخاري ومسلم روايات أخرى تشير إلى لقاء النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء، وصوله إلى سدرة المنتهى، وفرض الصلاة.
إجماع الأمة وأقوال العلماء
أجمع علماء الأمة على ثبوت الإسراء والمعراج، وذهب جمهور أهل العلم إلى أن الإسراء كان بالروح والجسد معًا، مستدلين بذلك على قدرة الله المطلقة. قال الإمام النووي: “الإسراء والمعراج حقٌ قُطع به، ولا يجوز إنكاره، وقد دل عليه الكتاب والسنة وإجماع الأمة.”
تفاصيل الرحلة ودلالاتها
الإسراء إلى المسجد الأقصى
تمثل الرحلة إلى المسجد الأقصى تكريمًا للمكان المقدس الذي هو مهبط الرسالات السماوية. وقد أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم على البراق، الدابة التي اختص الله بها أنبياءه، حتى وصل إلى المسجد الأقصى، حيث صلى بالأنبياء إمامًا.
المعراج إلى السماوات العلى
من المسجد الأقصى، عُرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماوات، حيث التقى بالأنبياء، بدءًا من آدم عليه السلام في السماء الأولى، حتى إبراهيم عليه السلام في السماء السابعة. عند سدرة المنتهى، بلغ النبي صلى الله عليه وسلم مقامًا لم يبلغه أحد من قبله، وكان هناك فرض الصلاة، تأكيدًا لمكانتها المحورية في الإسلام.
يقول الشاعر:
“يا ليلة الإسراء قد زان الدُجى
وبلجت نورًا على الأكوانِ
عرج الحبيب إلى السماء مباركًا
وتجلى النور على الخلائقِ عيانِ”
الدروس المستفادة من الحادثة
مكانة النبي صلى الله عليه وسلم
حادثة الإسراء والمعراج هي إعلان عن مقام النبي صلى الله عليه وسلم، الذي أُكرم برؤية جبريل عليه السلام على هيئته الحقيقية، وبلوغ سدرة المنتهى. قال ابن كثير: “هذا المقام العظيم دليل على خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم ومكانته عند الله.”
وحدة الرسالة السماوية
إمامة النبي صلى الله عليه وسلم للأنبياء في المسجد الأقصى دليل على أن الرسالة واحدة في جوهرها، وهي الدعوة إلى عبادة الله وحده. هذا اللقاء الرمزي يؤكد أن الإسلام جاء ليتمم الرسالات السابقة ويجمع البشرية على كلمة التوحيد.
فرض الصلاة وأهميتها
فرض الصلاة في هذا الحدث يعكس عظمتها، فهي العبادة الوحيدة التي فُرضت في السماء مباشرة، مما يدل على أنها صلة يومية بين العبد وربه.
الخاتمة
الإسراء والمعراج ليست مجرد معجزة تاريخية، بل هي محطة إيمانية تعبر عن عظمة الله سبحانه وتعالى، ومكانة النبي صلى الله عليه وسلم، وأهمية الرسالة الإسلامية. إنها دعوة للتأمل في قدرة الله ورحمته، وللاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في صبره وثباته.
يقول أحد الشعراء واصفًا عظمة الحادثة:
“عرج النبيُّ إلى السماوات العلى
واستُقبِلَت أنوارُه بالتكريمِ
حتى رأى سدرة المنتهى وعرشَ ربهِ
بمحبةٍ وحفاوةٍ وتعظيمِ”
بهذه الروح، تظل هذه الحادثة حافزًا لكل مسلم ليجدد إيمانه ويعظم صلته بربه.










