أخبار ومتابعات

ومضات على الطريق للدكتور عزيز أبو الليل …. الومضةُ الثالثة (ماذا فعل نَسل آدم الأوائل)

رأينا في الومضة السابقة كيف بدأ اللهُ الخلق؟ وكيف كانت الأرضُ صالحةً لا فساد فيها؟ حتى فسدَ فيها خلقٌ من خلق الله، وأنزل اللهُ لهم إبليس ليُطهرَ الأرضَ منهم، ثم كيف خلقَ الله ُآدمَ وخلق له حواء، وكيف عصى أبليسُ ربَه بالتكبرعن السجود لآدم، ثم أغوى آدمَ وحواءَ ليأكلا من الشجرة فيخرجهما ربهما من الجنة، إلا أن آدم دعا ربه فتاب عليه وأنزله وحواء إلى الأرض، وهنا بدأت الحياة البشرية على الأرض.
وقد وضعَ الله نواميسَ للكون في كيفية خَلَق البشر؛ بأن هناك أربع حالات للخلق؛ الأولى أن يُخلق من أبٍ وأمٍ وهذا في عامة الناس، والثانية أن يُخلق من أمِ دون أبِ وهو عيسى عليه السلام، والثالثة أن يُخلق من أبٍ دون أمٍ وهي حواء عليها السلام، وأخيرًا الرابعة أن يُخلق من غير أبٍ ولا أم ٍ وهو آدم عليه السلام.
هكذا بدأت البشرية بآدم وحواء وحدهما في هذا الكون الفسيح، ليكونا خليفة لله في الأرض يَعمُراها، فكانت حواء تلد في المرة الواحدة توأم (ولد وبنت)، ثم في المرة التالية هكذا، ويتم الزواج بينهم بالمبادلة، إلا أن ذلك لم يُرض قابيل الذى رغب أن يتزوج من أخته التوأم التي كانت معه والتي كانت من نصيب أخيه هابيل، وهنا بدأت أول أنانية بشرية وحسد بين البشر، وانتهى الأمرُ إلى الخطيئةِ البشريةِ الكبرى والأولى على الأرض، وهي قتل قابيل لهابيل، لكنّ الله أظهر عجز قابيل عن التصرف في جثمان أخيه؛ حتى أظهرَ له غرابًا يبحثُ في الأرض ليُريه كيف يُواري سوأةَ أخيه (بدفن غراب أخر)، وهنا تظهر حقيقة الإنسان الضعف عندما يعتمد على شهواته وغرائزه، فكيف لهذا المخلوق الصغير (الغراب) أن يَعلم ما لا َيعلمه قابيل، مَنْ الذي علّمه هذا؟! ومن الذي هَداه إلى ذلك؟! إنه الله سبحانه وتعالي الذي خَلق فسوى، وقَدّر فهدى، وعلم الإنسانَ ما لم يعلم، هنا وهنا فقط يندم قابيل على ما فَعل، ويظهر عجزه عن كيفية دفن جثمان أخيه الذي قتله، ومن ذلك الحين وإلى أن تقوم الساعة والسلوك العنفواني تميل له النفس؛ قيل إن قابيل يتحمل إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم الدين، فالإنسان بينان الله الذي يأبى الله أن يُهدم بالقتل، فإياك إياك أن تكون سنة سئية يقتدي بك من بعدك فتتحمل أوزارك وأوزار الذين تبعوك بغيرعلم.
ويموت آدم وتستمرالحياة، بين صلاح للأرض ومعصية، إلى أن يَعبد البشر الأصنام التي كانت على هيئة أُناس صالحين كانت أسماؤهم (ود- يغوث – سواع – يعوق – نسر)، وكان لهم اتباع يقتدون بهم فلما ماتوا قالوا لو صورناهم كان ذلك أشوق لنا على عبادة الله عند رؤية صورهم، فلما مات هذا الجيل جاء أخرون فصور لهم إبليس عبادتهم بعد تَعاقب الأجيال التي نست أنهم كانوا مجرد أناس صالحين، فعبدوهم من دون الله، لأن كل من يحوم حول الحمى يُوشك أن يقع فيها، فيأتي نوح عليه السلام ويَمكثُ في الدعوة ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا، ليصنع سفينة النجاة إلى الله، وتغرق الأرض كلها، وتبدأ حياة جديد بما تبقى من كل خلق (من كل جنس زوجين اثنين)، وقليل من البشر الذين آمن معه (قيل إنهم ثمانية عشر، وقيل ثمانين)، وهم من بدأت بهم الحياة البشرية مرة أخرى، وقد خَالف دعوة نوحٍ أقربَ الناس إليه؛ زوجته وابنه كنعان (يام).
وكان لنوح عليه السلام أربعة من الأولاد كنعان (يام) الذى غرق في الطوفان، وسام الذي جاء من نسله العرب، وحام الذي جاء من نسله الحبش، ويافث الذي جاء من نسله الروم، فجاء كل نسل على هيئة أصله.
هكذا سارت الحضارة الإنسانية بين طاعة ومعصية، فكلما ضَل الإنسانُ الطريقَ أرسالَ اللهُ له الرسل مبشرين ومنذرين؛ ليخرجه من الظلمات إلى النور، ويهديه إلى سواءَ السبيل.
وهنا ومضة هامة؛ أن على الإنسان السعي والبلاغ، وعلى الله الهداية والتوفيق، فمهما بلغت قدرتك ومنزلتك فليس عليك هداهم، ولكن الله يَهدي من يَشاء، فلن تنفع أحد صلته بأحد حتى لو كان نبي مرسل أو ملك مقرب، أنت وعملك، كما ورد عن الني –صلي الله عليه وسلم- أنه قال لأهل بيته، يا فاطمة أعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئًا، لايأتينِ الناس بأعمالهم وتأتون بأنسابكم .
وسَيّرَ اللهُ هذا الكون بنظامٍ دقيقٍ وفقَ نواميسَ ثابتة لاتتغيير ولا تتبدال إلا أن يَشاء اللهُ لبعض عباده المُخْلَصين، الذين فَهموا معنى الخلافةَ في الأرض، وأن اللهَ قد خلَق هذا الكون الفسيح بما فييه من أراضين سبع وسماوات ذات طباق وبحارذات فِجاج في خدمة الإنسان؛ ليكون الإنسان في طاعة الله وعبادته، لا تلهيه خدمة المخلوقات له عن طاعته لله، متخذًا سبل الحياة وسيلةً لاغاية، أداةً لا هدفًا؛ بغية الوصول لهذا الخالق العظيم الذي سَخرَ له كل هذا الكون في خدمته وتحت طاعته ليتفرغَ هو لطاعة الله.
فماذا فعلَ الإنسانُ ردًا على ذلك؟! للاسف الشديد كان قليلٌ من عباد الله شكور، وكثيرٌ منهم جاحدون لتلك النعم، فما ذُكِرتْ القلةُ إلا للطاعين وما ذُكِرتْ الكثرةُ إلا للعاصين، فماذا حدث بعد ذلك؟ وكيف تعامل الإنسان مع تلك الهبات والنعم؟ وماذا قَدّم لنفسه وربه؟ هو ما سوف نتحدث عنه في الحلقات التالية إن شاء الله تعالي.

زر الذهاب إلى الأعلى