ثقافة وابداعرحيق الكتب

قراءة فى كتاب التربية المسرحية – أثر المسرح على مستقبل التعليم (2)

بقلم - د.خالد السيد غانم :

نقدم اليرم الحلقة الثانية من القراءة التحليلية فى كتاب التربية المسرحية أثر المسرح على مستقبل التعليم تأليف الدكتورة راندا رزق والذى قدمه الكاتب يعقوب الشاروني

الحلقة الثانية
يقول د.يعقوب الشارونى : يتزايد الفهم سنة بعد أخرى لأهمية الوسائل التى تجعل للأطفال وتلاميذ المدارس دورًا إيجابيًّا فى العملية التربوية والتعليمية ، بدلاً من أسلوب التلقين الذى سيطر على التعليم قرونًا طويلة متطلبًا دورًا سلبيًّا من المتلقين . وجوهر هذه الوسائل الإيجابية هو استخدام أساليب لَعِب الأطفال وتوظيفها بحيث يُقبـِل الطفل على العملية التعليمية بنفس الحماس الذى يُقبـِل به على لُعْبَةٍ من ألعابه .
​ومن أهم الوسائل التى تم التنبه إليها والتى يتزايد انتشارها بسرعة كبيرة فى كثير من البلاد ، التى وجهت عنايتها إلى تطوير الوسائل التربوية وصولاً بالتعليم إلى كافة الأطفال ، استخدام المسرح والتمثيل لتنمية مختلف الجوانب المرغوبة لدى الأطفال .
ففى بلد مثل إنجلترا ، يقدم التليفزيون برنامجًا أسبوعيًّا للمدرسـين يوجههم فيه إلى كيفية استخدام التمثيل فى التعليم ، ويعرفهم أساليب تقديم مختلف المناهج مُمَسْرَحَةً داخل الفصول الدراسية وبواسطة نفس تلاميذ كل فرقة . كما تصدر فى إنجلترا مجلة شهرية متخصصة فى دراما الأطفال ، تسجل مختلف التجارب فى هذا المجال وتنشر النصوص وتعرض الآراء والدراسات ، وتقدم مختلف الوسائل لاستخدام هذا الأسلوب التربوى الفذ ، الذى لا يحتاج إلا إلى المُربى المُدَرَّب المتفهم لعالم الأطفال والمؤمن بدور الأجيال الجديدة فى بناء مستقبل العالم .
بل إن كثيرًا من الكتب المقررة على الصفوف الأولى من المدارس الابتدائية الإنجليزية قد أُعيدت صياغتها بحيث أصبح التمثيل هو أسلوب تقديمها للطالب ، فأصبحت أسماء الكتب : ” مَثــِّل واقرأ ” ، ” الحساب بالتمثيل ” ، ” النشاط التمثيلى ” وهكذا ..
​فمن أهم أنواع لعب الأطفال ، اللعب الإيهامى أو التخيلى ، فعندما نجد الطفل يلعب مثلاً دور الأب أو الأم أو الطبيب فهو يمثل ما يرى الكبار يقومون به .. هذا النوع من اللعب هو الأساس النفسى الذى يرتكز عليه التمثيل الذى يقوم به الأطفال. إنه أسلــوب فنى ينمى طاقات الإبداع الكامنة فى الأطفال ، لكى يعبروا عن أنفسهم وعن خبراتهم ، لذلك فإن هذا النشاط يتم من غير وجود نصوص مكتوبة ، وبغير حاجة إلى مسرح ولا إلى جمهور .
​إن الراشدين والفنانين المحترفين يهتمون أساسًا بالعرض المسرحى أمام جمهور من المتفرجين ، وتكون كل جهودهم لتقديم عرض ناجح للجمهور ، ولهذه الغاية يحتفظون بالمتفرجين دائمًا فى أذهانهم . أما بالنسبة للأطفال ، فنحن لا نهتم بالتأثير الذى يُولِّد نشاطًا فى المتفرجين ، بل نهتم بالتأثير الذى يُولِّده هذا النشاط فى الممثلـين أنفسهم . إن أهدافنا هنا داخلية أكثر منها خارجية .
إن الممثلين الصغار يهتمون فقط بحركاتهم وتعبيراتهم وكلماتهم ، وردود أفعالها على باقى من يمثلون معهم . إنهم يمثلون لمن معهم ، ويلعبون لعبة بينهم وبين أنفسهم ولأجل أنفـسـهـم ، فلا يهتمون كثيرًا سواء شاهدهم أحد أو لم يشاهدهم ، لذلك فإن الاهتمام مركز على تأثير عملنا على الممثلين الأطفال أكثر من اهتمامنا بتأثيره على أى نوع من المتفرجين .
​إن الأطفال الصغار ممثلون بالطبيعة . إنهم يبدءون فى ممارسة الألعاب الخيالية من سن الثالثة أو الرابعة ، على انفراد أحيانًا وفى مجموعات صغيرة فى أحيان أخرى ، وهم بهذا يكتسبون خبرة إنسانية هامة تُعينهم على النمو . إننا عندما نهدف بهذا النشاط التمثيلى إلى تربية الطفل وتثقيفه ، فإننا لا نرمى إلى تخريج ممثلين محترفين ، وليس من أهدافنا إقامة أية حفلات يراها جمهور من المشاهدين ، بل هدفنا اشتراك كل الأطفال فى هذا النشاط . فلابد من اشتراك كل مجموعة الأطفال التى نشرف عليها فى التمثيل . ومن الممكن أن يقوم أكثر من شخص بأداء نفس الدور واحدًا بعد الآخر . ولا محل لقَصْر التمثيل على الموهوبين ، فالإجادة ليست هى الهدف ، إنما الهدف أن يعبر الطفل عن نفسه .
​- وفى هذا تختلف ” الدراما الإبداعية ” عن ” مسرحة المناهج ” ، الذى يُقصَد به استخدام التمثيل كطريقة للتعليم ، أى كوسيلة لتوصيل عدد من المعلومات والمعارف الأساسية التى تساعد على زيادة درجة التشابه أو الاتفاق فى معلومات مجموعة التلاميذ . لذلك لا محل لفرض ملابس أو مكياج أو ديكورات لمناظر معينة على هذا النشاط التمثيلى ، بل لا بد أن نترك هذا إلى ما يتخيله الأطفال وما يستطيعون صنعه بالمواد المتاحة لهم ، أو ما يمكنهم تدبيره من منازلهم .
​كذلك يجب أن نترك للأطفال حرية التعبير أو التأليف إذا كان محور النشاط قصة معينة . كما يجب ألا نفرض عليهم طريقة معينة فى الأداء . ويمكن دائمًا استخدام ” الراوى ” إذا رغب الأطفال فى ذلك أو لتَفادِى ما يجدون صعوبة أو عدم رغبة فى تمثيله . وعلى المعلم أن يكون لديه الوعى الكافى لاختيار الدروس القابلة للمسرحة . ولابد من التأكيد دائمًا على أن التدريبات هى الشىء المهم ، وأن العرض النهائى ليس الهدف ، وإذا تم فبغير مشاهدين من خارج المجموعة التى قامت بالتمثيل .
– أما المسرح التعليمى أو ” المسرح المدرسى ” ، قد نسميه ” المسرح الذى يقدمه الأطفال من نصوص معدة سلفًا ” ، فيمكن استخدامه على أوسع نطاق لتقديم مختلف المواد والمناهج الدراسية بطريقة تربط الطفل بمدرسته ، لما فيه من تشويق ، وللدور الإيجابى الذى تعطيه للطفل خلال العملية التعليمية . وللقيام بهذا النوع من النشاط ، يقوم المعلم باختيار فريق محدد من الموهوبين فى الأداء التمثيلى ، ليقدموا عرضًا فى نهاية النشاط ، لجمهور محدود قد يكون قاصرًا على أولياء الأمور ، ويقدمون عرضهم فى مكان مناسب لتقديم العروض المسرحية ، مع الاهتمام بالماكياج والملابس والديكور والإضاءة المناسبة للمسرحية التى يقدمونها .
​ويُلاحَظ أن هناك نقصًا واضحًا فى النصوص الملائمة للمسرح التعليمى ( أو المدرسى ) ، لذلك لابد من أن تعمل الجهة المشرفة على المسرح المدرسى على تشجيع كتابة وتأليف هذا النوع من المسرحيات ، بتكليف كُتاب الأطفال بكتابتها ، أو بعقد دورات تدريبية أو مسابقات لهذا الغرض ، مع نشر النصوص الصالحة .
​- وكل ما سبق يختلف عن ” مسرح الطفل بالمعنى الفنى ” ، الذى يقدمه عادة الفنانون المحترفون الكبار للأطفال ، على مسارح معدة لتقديم المسرحيات على نحو منتظم .
– ومع أن عنوان هذا الكتاب هو ” التربية المسرحية ” و ” أثر المسرح على مستقبل التعليم ” ، فقد اتسعت موضوعات الكتاب لتشمل – فى الفصل الثانى منه – على دور المسرح فى تعزيز الهوية وتنمية قدرات المراهقين . وقدم الكتاب كنموذج ، دراسة رائدة حول تجربة ” مسرح الجرن ” ، وهو أحد أهم المشروعات للتنمية الثقافية فى الريف المصرى ، لتجسيد عدد من الأهداف والقيم ، مثل تعميق الانتماء للإنسانية والوطن والعروبة ، وتطوير آليات العمل الجماعى ، مع تأكيد أهمية احترام الرأى الآخر وإعلاء قيمة التسامح مما يؤدى إلى تجفيف منابع الفكر المتطرف . وأوضح الكتاب كيف اعتمد مشروع مسرح الجرن ، فى البداية ، على طلاب من المرحلة الإعدادية فى عدد من القرى ، ثم انتقل إلى الاعتماد على عدد من الأكبر سنًّا من أهالى نفس القرى التى شملها المشروع .
– أما الفصل الثالث من الكتاب ، فقد تناول الدمج بين ” مسرحة المناهج ، والتعليم المقلوب ” و ” التعليم النشط” ، وأثر ذلك فى فصول محو الأمية وتعليم كبار السن ، والمتسربين من التعليم ، والتعليم المفتوح ، مع التطبيق على تجربة ” التابلت ” .
​و ” التعليم المقلوب ” أسلوب تعليم وتعلم يستخدم ويوظف تكنولوجيا التعليم ، مثلاً ” الفيديو ” وغيره من الوسائط ، من أجل توصيل المحتوى الدراسى للتلميذ قبل وقت الحصة الدراسية وخارجها ، وبالتالى توفير وقت الحصة للممارسة الفعلية عبر الأنشطة المختلفة . إنه وسيلة تدريسية تعتمد فكرتها على قلب الإجراءات الخاصة بالتدريس ، بحيث تتيح الفرصة للاطلاع على الدروس ومحتواها فى البيت ، بينما يتم تخصيص وقت الحصة لإجراء الأنشطة والتطبيق وذلك تحت إشراف المعلمة أو المعلم فى الفصل ، أى تخصيص الوقت الفعلى الخاص بالحصة الدراسية للمهام والتطبيقات والأنشطة ، ليتم التأكد من قدرة التلاميذ على تحصيل المعارف واكتسابها ، وبقاء أثر تعلمها لدى المتعلم .
ومن شأن هذا أن يجعل المتعلم إيجابيًّا ونشطًا وفعالاً ، بينما يرتكز دور المعلم على الإرشاد والتوجيه . وبهذا يتم تغيير الدور التقليدى للمدرسة والمنزل ليحل كل منهما محل الآخر ، بعيدًا عن السطحية التى تنتج عن حفظ المادة ومجرد الاستماع إلى المعلم فى البيئة التقليدية .
ومن مميزات التعلم المقلوب توفير الوقت الإضافى للدرس من أجل التعلم التعاونى بين الطلبة ، وبهذا ننتقل من فلسفة مركزية التعلم حول المعلم كونه مصدر المعرفة الوحيد ، ليصبح المركز هو الطالب ، فيتحول الطالب ليصبح محورًا لعملية التعلم بشكل إيجابى وفعال . وضمن هذا الإطار يتدخل المعلم ليساعد الطالب للانتقال فى مجال المعرفة من مستوى إلى آخر.
وبالتطبيق على التجربة المصرية ، فقد تم التغلب على مشكلة توفر المكان المجهز بالتكنولوجيا التى تتيح للدارس الاستفادة من نظام التعليم المقلوب ، وذلك من خلال تزويد قصور الثقافة بالأماكن المجهزة بالوسائل الحديثة كافة ، فيمكن للدارس الذى يواجه مشكلة فى التجهيزات اللجوء إلى تلك المراكز ، والاستفادة من نظام التعليم المقلوب ومتابعة دراسته.
وحاليًّا أصبحت العديد من دول العالم تدرك جيدًا قيمة الاعتماد على الأجهزة اللوحية ( التابلت ) فى التعليم ، إذ تمتاز هذه الأجهزة ، بجانب التطبيقات التعليمية التى توفرها للطلاب ، بخفة وزنها ، الأمر الذى يجعلها الأسلوب الأمثل لتطوير الأنظمة التعليمية ، وتنمية مهارات الطلاب المختلفة كالاستماع والقراءة والمطالعة .
ويشير تقرير صدر مؤخرًا أن الولايات المتحدو بدأت فى تطبيق هذه التكنولوجيا فى معظم مدارسها ، إضافة إلى العديد من دول أوربا وآسيا وعدد من الدول العربية ومصر.
لقد أثبتت تقنيات التعلم ، كالتعلم النشط ومسرحة المناهج والتعليم المقلوب ، فاعلية كبيرة فى التجربة الخاصة عند استخدامها فى المدارس ، وكان لها تأثير ملحوظ على استيعاب الطلاب للمواد الدراسية ، وكذلك فى تعزيز التفاعل بين المعلم والمتعلم.
– أما الفصل الرابع ، فيتناول موضوع ” الدراماتورجية ” ، ” فالدراماتورج ” : وظيفة احترافية فى عالم المسرح ، تستعين به الفِرق المسرحية لتطوير النصوص المسرحية ليمكن تقديمها فى عروض على خشبة المسرح . وقد قام الدراماتورجيه بمعالجة الخطاب المسرحى بشكله القديم ، فأعادوا صياغته وفقًا لمفاهيم حديثة تتماشى مع الأوضاع الاجتماعية المتطورة.
وظهرت ضمن هذا المسار مسارح مثل مسرح الشارع والخبز والدمية ومسرح السخرية ، للدعوة للتغيير ، وإثارة وعى المتلقى لمحاربة التسلط . وأفرزت هذه التيارات المسرح الملحمى – مسرح بريخت – الذى رغب فى اتخاذ المتلقى موقفًا نقديًّا معارضًا ، كما دفعه لتبنى موقف من القضايا المعروضة أمامه على المسرح.
​إن هذا الكتاب يقدم إضاءة قوية على وسيلة أصبحت من أهم الوسائل فى مجال تطوير التعليم ، عندما يتحول المتعلم إلى عنصر فعال وحاسم فى العملية التعليمية ، عن طريق المسرح والتمثيل

زر الذهاب إلى الأعلى