مقالات الرأى

د محمد شومان: عصر الدعاية الرقمية

مقالات للرأي

هل نعيش حقاً عصر ما بعد الحقيقة.. أم يمكن الحد من أكاذيب الدعاية ومخاطر الحسابات الوهمية وتحيزات الخوارزميات

قبل ثلاثين عاماً تقريباً توقع كثير من علماء السياسة والإعلام نهاية عصر الدعاية نتيجة تطور تكنولوجيا الاتصال وسرعة تدفق المعلومات وانتشار التعليم، لكن للأسف حصل العكس تمامًا، فالتكنولوجيا طورت من قدرات الدعاية كما طورت أيضًا من قدرات البشر على مقاومتها، لكن من دون القضاء على الدعاية، حتى أنه يمكن القول بأننا نعيش عصر الدعاية الرقمية ، والتى أصبحت مدمجة فى البنية التحتية الرقمية، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعى، وتتطور بسرعة تفوق قدرات البشر على مواجهتها !!
والدعاية الرقمية هى باختصار استخدام متعمد ومنظم للتقنيات الرقمية والمنصات الإليكترونية لنشر معلومات مضللة أو متحيزة بهدف التأثير على معتقدات الجمهور وسلوكياته وقراراته. وذلك من خلال استغلال الخوارزميات والربوتات والذكاء الاصطناعى والبيانات الضخمة لتحديد الفئات المستهدفة وتصميم محتوى مخصص يتناسب مع ميولها واهتماماتها. ونشر هذا المحتوى عبر وسائل التواصل الاجتماعى بسرعة هائلة عبر المشاركة وإعادة النشر.
ومن حيث الجوهر والأهداف لا تختلف الدعاية الرقمية عن الدعاية التقليدية، فهما تعتمدان على التضليل المتعمد والمخطط له لتحقيق أهداف محددة، لكن الدعاية الرقمية أكثر تطوراً وتعقيداً، فهى تشمل أشكالاً حديثة من الأخبار الكاذبة Fake News،والتزييف العميق Deep Fake الذى يتلاعب بالصور والفيديوهات، والمعلومات المضللة (Misinformation)، كما تعتمد على استخدام برامج آلية لإنشاء حسابات وهمية تحاكى سلوك المستخدمين الحقيقيين، بهدف تضخيم رسائل معينة أو خلق انطباع بوجود إجماع شعبى حول قضية محددة. وتُستخدم هذه الحسابات فى حملات منسقة لنشر المحتوى الدعائى والتأثير على الخطاب العام. والأدهى أن الدعاية الرقمية لديها القدرة على الاستهداف الدقيق والانتشار، والتفاعل المباشر مع الجمهور، فضلاً عن إمكانية قياس تأثيرها بشكل فورى.
هل يعنى ذلك أن الدعاية الرقمية لا يمكن مقاومتها؟ وبالتالى يجب أن نتخلى عن حلم أو أمل العيش بدون دعاية وتضليل وتلاعب، وأن نتعايش مع فكرة أن الدعاية – سواء التقليدية أو الرقمية – ستظل حاضرة بقوة فى مجالات الحياة كافة، وقادرة على التلاعب بعقول وعواطف قطاعات واسعة من الناس عبر العالم فى عصر ما بعد الحقيقة.
الإجابة بالتأكيد هى لا.. فلابد من مقاومة الدعاية بكل أشكالها، مع التسليم بأننا لن نستطيع القضاء عليها تماماً لكن يمكن حصارها وفضحها باستمرار والتقليل من آثارها، ويرى كثير من الباحثين – وأنا منهم – أن الدعاية الرقمية تشبه الفيروسات التى تصيب البشر ونقاومها باستمرار، وهى تطور من نفسها وتتحور وتتغير، لكن فى المقابل يطور البشر من قدراتهم على مقاومتها، لكننا لن نقضى عليها تماماً. باختصار الدعاية التقليدية أو الرقمية هى تحد وجودى مستمر، علينا أن نحاربها بقوة، كما نتعامل مع فيروسات الانفلونزا. لذلك، يجب تطوير قدراتنا فى محاربتها. وهناك تجارب عالمية ناجحة يمكن الاستفادة منها، أبرزها:
1- التركيز على مهارات التفكير النقدى وبناء الوعى المجتمعى فى مناهج التربية والتعليم فى مراحل التعليم المختلفة، بحيث نكسب الأفراد مهارات الشك والمقارنة فيما يعرض عليهم عبر من محتوى عبر وسائل الاعلام التقليدية والجديدة ومنصات التواصل الاجتماعى، والتحقق من صحته وتدقيق مصادره.
2- إدخال مناهج التربية الإعلامية، ومحو الأمية الرقمية التى تمكن الأفراد من التعامل الذكى والواعى مع التطبيقات الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعى، وهناك دول مثل فنلندا وكندا وفرنسا لديها تجارب مهمة فى هذا المجال، حيث أدخلت التربية الإعلامية كجزء إلزامى من المناهج، مما ساعد فى بناء وعى مجتمعى قوى ضد الدعاية.
3- إصدار قوانين وتشريعات ومواثيق شرف تنظم الفضاء الرقمى وتراعى فى الوقت ذاته حرية الرأى والتعبير، وفى هذا الإطار يمكن تأسيس هيئات عامة متخصصة لرصد ومتابعة ما ينشر عبر المنصات للتأكد من دقته ومنع المحتوى المزيف، مثل قانون الخدمات الرقمية «DSA» فى الاتحاد الأوروبى، الذى يفرض على المنصات الكبرى مكافحة المحتوى المضلل وإجراء تدقيقات مستقلة، مع إنشاء هيئات رقابية لرصد الانتهاكات.
4- التنسيق مع عمالقة التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعى مثل ميتا وتيك توك وغيرها.. لتأسيس آليات تكنولوجية سريعة لمنع الحسابات المزيفة وحذف المحتوى المضلل، وذلك كما ورد فى مبادرات الاتحاد الأوروبى واليونسكو لتعزيز النزاهة المعلوماتية.

زر الذهاب إلى الأعلى