أخبار ومتابعات

د. فايد محمد سعيد .. من الصين إلى المسجد: تجربة فريدة تحمل رسالة إنسانية

متابعات يوتوبيا

 

في أحد الأيام العادية، وبينما كنت أستعد لإمامة المصلين في صلاة الظهر، حدثت معي تجربة فريدة أثرت في نفسي كثيرًا وأظهرت لي عمق التأثير الإنساني للإسلام. جاءتني إلى المسجد قصة إنسانية محملة بمشاعر الحزن والضياع، ولكنها انتهت برسالة أمل وتجربة فريدة تُظهر رحمة الإسلام وإنسانيته التي تتجاوز الحدود والاختلافات الثقافية والدينية.

بداية القصة

بينما كنت في المسجد قبل صلاة الظهر، جاءني شاب من الجنسية الصينية وسألني بلغة إنجليزية بسيطة: “هل لديك وقت للتحدث معي؟” ابتسمت وقلت له: “يمكننا الحديث بعد الصلاة”. لم أسأله إن كان مسلمًا أم لا، ولم أتحقق مما إذا كان على وضوء، لأنه جاء إلى المسجد، وافترضت أنه ربما لديه أسئلة دينية أو استفسارات حول الإسلام.

دخل الشاب معنا إلى المسجد، وصلى معنا، ثم بحثت عنه بعد الصلاة فوجدته جالسًا بهدوء في إحدى الصفوف. دعوته إلى المكتب الخاص بي، وهناك بدأت رحلتنا الحوارية التي لن أنساها.

لقاء مليء بالمشاعر

بدأ الشاب بالتعريف عن نفسه: رجل أعمال من الصين، يعيش في بريطانيا، يبلغ من العمر 42 عامًا، وغير مسلم. أخبرني أنه يمر بأزمة نفسية شديدة أدت به إلى الاكتئاب، وأنه كان يفكر في إنهاء حياته. أثناء مروره بجوار المسجد، قرر الدخول والحديث مع أحدهم، لعلّه يجد حلاً لما يعانيه.

اعتذرت له لأنني افترضت أنه مسلم وأدخلته المسجد دون أن أتأكد، لكنه رد بابتسامة: “لا تعتذر، شعرت ببعض السعادة لأول مرة عندما دخلت المسجد وصليت مع المسلمين.”

حوار حول الألم والحياة

بدأ الشاب يروي قصته: هو الابن الوحيد لوالديه بسبب سياسة الطفل الواحد في الصين، ونشأ في بيئة محبة وفرت له تعليمًا متميزًا. أصبح رجل أعمال ناجحًا يعيش في بريطانيا، لكنه ارتبط عاطفيًا بامرأة من بلده وأمضى معها 15 عامًا. فجأة قررت تركه، وقالت إنها لم تعد تحبه. هذا الفراق المفاجئ كان له تأثير مدمر على حالته النفسية، حتى إنه فكر في إنهاء حياته.

استمعت إليه بتعاطف كبير، وقلت له: “أنت رجل صادق ومخلص، وهذه صفات جميلة. ولكن دعنا نراجع حياتك قليلاً.”

الحكمة الإسلامية ومنطق الحياة

أوضحت له أن الحياة لا تسير دائمًا كما نخطط لها، وأن المشكلات تبدو أحيانًا أكبر مما هي عليه في الواقع. ذكرت له قوله تعالى: “وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ” [البقرة: 216].

وأضفت: “من عدل الله تعالى وعظيم قدرته أن هناك ثمانية أشياء تجري على جميع الناس، دون تمييز بين الحاكم والمحكوم، الغني والفقير، الصغير والكبير. وقد جمعها شاعر عظيم في بيتين يقول فيهما:
ثَمَانِيَةٌ تَجرِي عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمُ
وَلَا بُدَّ لِلإِنسَانِ يَلقَى الثَّمَانِيَهْ

سُرُورٌ وَحُزنٌ وَاجتِمَاعٌ وَفُرقَةٌ
وَيُسرٌ وَعُسرٌ ثُمَّ سُقمٌ وَعَافِيَهْ

وأوضحت له أن أي علاقة في هذه الحياة، مهما كانت متينة، لابد أن تنتهي بشكل أو بآخر: إما بالسفر، أو بخلافات شخصية، أو بالموت. المهم هو أن نتقبل هذه الحقيقة ونتعامل معها بالصبر والتجاوز، ونركز على الجوانب الأخرى من حياتنا التي يمكن أن تمنحنا السعادة.”

منظور أوسع للحياة

ثم أخذت مثالًا عمليًا لتوضيح وجهة نظري. قلت له: “نحن نجلس الآن في هذه الغرفة، ما الحيز الذي نشغله منها؟” أجاب: “حيز صغير جدًا.” قلت: “وماذا عن لندن؟” قال: “لا شيء.” قلت: “وأوروبا؟” أجاب: “أقل من لا شيء.”

أوضحت له أن مشكلاتنا، مهما بدت كبيرة، تصبح ضئيلة عندما ننظر إلى الصورة الأوسع للحياة.

الختام

في نهاية حديثنا، قال لي: “لم أكن أتوقع أن أجد هذا النقاش عندما دخلت المسجد. شعرت بالراحة والسكينة هنا، وأدركت أن حياتي أكبر من مشكلتي.”

شكرني وغادر المسجد، لكنه ترك أثرًا عميقًا في نفسي. هذه التجربة أكدت لي أن الإسلام يحمل رسالة إنسانية عظيمة، ليست فقط للمسلمين، بل لكل البشر. الحوارات الصادقة والرحمة يمكنها أن تغير حياة الناس، وربما تُعيد لهم الأمل.

الحمد لله الذي جعلني جزءًا من هذه القصة، وجعلني أرى جمال الإسلام في موقف بسيط لكنه عظيم.

د. فايد محمد سعيد
عضو المجلس الأوربي للقيادات المسلمة

زر الذهاب إلى الأعلى