د. فايد محمد سعيد: عِلَّةُ الشَّتَاتِ الذِّهني: قراءة فكرية في أزمة العقل المعاصر بين هدي القرآن ونور الحكمة الإسلامية
متابعات يوتوبيا

يعيش الإنسان اليوم في عصرٍ يمكن وصفه بأنه أعلى العصور ضجيجًا وأحفلها بالمعلومات، وأدناها قدرةً على إنتاج الفهم العميق.
فلم يعد المرء يملك فرصة للتركيز أو التأمل؛ فالهاتف شاشة تتبدل بلا توقف، ووسائل التواصل أنهار متدفقة، والعقل ينتقل من مشهد إلى مشهد كما ينتقل المتسوق بين القنوات التلفزيونية في ليلة مزدحمة.
وقد أصاب هذا الواقع العقل البشري بمرضٍ معرفيٍّ جديد: عِلَّةُ الشَّتَات.
عقلٌ يتحرك في كل اتجاه، ولا يستقر في أي اتجاه.
فبدأ الإنسان يفقد مهارة التفكير المتصل، وهي “النعمة العقلية” التي بُنيت عليها الحضارات.
ولعلّ أول من لفت النظر إلى هذه الحقيقة هو الوحي الإلهي نفسه، حين قال سبحانه:
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾
فالقلب — في التصور القرآني — ليس مجرد عضو، بل مركز الإرادة والقرار، ولا يمكنه أن يعمل باتجاهين في اللحظة نفسها.
⸻
أولًا: الشَّتَات… حين ينقسم القلب وتضيع الوجهة
الاشتغال الدائم بالهاتف والتنقل المستمر بين الصفحات والمقاطع أحدث عطبًا في البنية الإدراكية للعقل.
أصبح الإنسان يرى ألف معلومة ولا يستقر في واحدة، يقرأ بدايات الفصول ولا يعرف خواتيمها، ويبدأ موضوعًا ثم يتركه قبل أن يفهمه.
وقد سماه علماء النفس المعاصرون:
“العقل المجزأ Fragmented Mind”
وهو عقل لا يستطيع أن:
• يجمع أجزاء المعرفة
• أو يبني استدلالًا
• أو يُنضج فكرة
• أو يخرج بخلاصة
وهذا المعنى هو ما استعاذ منه النبي ﷺ في دعائه المشهور:
«وأعوذ بك من شتات الأمر»
فشتات الأمر — كما يقول ابن القيم — هو تفرق القلب عن مقصده، وانشغاله بغير وجهته، حتى يصبح الإنسان “كثير الحركة، قليل الثمرة”
ثانيًا: القرآن… منهج رباني لإعادة بناء العقل الموحَّد
على عكس الوسائط الحديثة التي تدفع العقل إلى التبعثر، يبني القرآن في القارئ بنية عقلية متماسكة، ويعيد إليه القدرة على الجمع والتركيز والتحليل.
1. قصة يوسف: نموذج البناء السردي المتكامل
هي القصة الوحيدة التي جاءت كاملة في سورة واحدة.
يقول الإمام الفخر الرازي:
“وفي جمع القصة في موضع واحد إشارة إلى أن الحكمة لا تُنال إلا باستكمال الصورة.”
2. قصة آدم: منهج التوزيع التحليلي
ذُكرت في سبع سور، وكل موضع يقدّم جزءًا من القصة.
يقول ابن تيمية:
“وما فرّقه الله في كتابه من المعاني، فإنما هو ليزداد العبد طلبًا، ولتتحقق منه صفة التدبّر.”
فالقرآن يدرب العقل على مهارة جمع الأجزاء وبناء “خريطة معرفية”.
3. منهج القرآن في التفكير:
يقول الغزالي:
“العقل لا يُفهم إلا إذا رتب فكره، ولا يسلم إلا إذا جمع أطراف ما يريد.”
وهذا عين ما يفعله القرآن؛ فهو لا يعطيك معنى واحدًا معزولًا، بل ينسج شبكة معرفية مترابطة.
⸻
ثالثًا: الكبار عن الشَّتَات… حكمٌ سابقة لزمانها
**1. ابن القيم: “تفرق الهمّ”
يقول رحمه الله:
“أعظم ما يقطع العبد عن مقصده: تفرق همّه، وتوزع خواطره، وإقباله على كل وارد.”
وهذا هو وصف دقيق لعقل اليوم الذي يقفز من إشعار إلى آخر.
**2. الغزالي: “تشتيت الخواطر”
يقول في الإحياء:
“القلب كالإناء؛ إن ملأته بالخواطر ضاع منك صفاؤه.”
وهذا ما نراه اليوم في طوفان المعلومات.
**3. ابن خلدون: “التحصيل المتقطع”
في المقدمة يقول:
“العلم لا يُؤخذ متفرقًا، ومن طلبه بلا نظام عاد عليه بالتشويش.”
كأنما يصف التعليم السريع القائم على المقاطع القصيرة.
رابعًا: أثر الشَّتَات في حياة الإنسان
هذا المرض ليس مجرد حالة نفسية؛ بل أزمة حضارية لها آثار حقيقية:
• ضعف التركيز وغياب الفهم المتعمق
• تشوّش القرار وضعف الحكمة
• تراجع التحصيل العلمي
• فقدان السكينة والخشوع
• علاقات إنسانية هشة تقوم على السطحيات
وقد أدرك الأوائل أن “تفرق الخاطر” يحرم الإنسان من أعظم أبواب الكمال.
خامسًا: نحو عقل موحّد… وصفات عملية
1. قراءة متصلة بلا انقطاع
قراءة سورة كاملة أو فصلٍ كامل يوميًا.
2. تقليل الضجيج الرقمي
حمية معلوماتية لمدة ساعة يوميًا بلا هاتف.
3. كتابة الأفكار
الكتابة تربط الأجزاء المتناثرة.
4. تدبّر القرآن
فالقرآن — كما يقول الرازي —
“يجمع في القلب ما تفرّق، وينظم في الذهن ما تناثر.”
5. تحديد الأولويات
لا تبدأ موضوعًا قبل نهاية ما بين يديك.
خاتمة: العقل الموحّد… هو أعظم صور تكريم الإنسان
علّمنا القرآن أن القلب لا يكون له وجهتان، وأن الفهم لا يتشكل من أشلاء متفرقة.
وما بين الآية:
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾
والدعاء النبوي:
«وأعوذ بك من شتات الأمر»
تقوم فلسفة كاملة لإصلاح العقل وتحريره من الضياع.
فالشتاتُ عِلّة،
والقرآنُ شفاء،
والتركيزُ عبادة،
والفهمُ نعمة،
والعقلُ إذا اجتمع أبدع، وإذا تشتت ضاع









