أخبار ومتابعات

د فايد محمد سعيد : عندما يكون الحل هو المستحيل – أو كالذي مرّ على قريةٍ وهي خاويةٌ على عروشها: حين يُعلّم الله القلب كيف يرى القيامة في لحظة (9)

متابعات يوتوبيا

 

 

 

هناك لحظات يمرّ بها الإنسان يختلط فيها الإعجاب بالحيرة، والإيمان بالسؤال، واليقين بالتأمل.

ومن هذه اللحظات الخالدة في القرآن، قصة الرجل الذي مرّ على قريةٍ خربة، غاب عنها الصوت، وانهار فيها البناء، وتبعثر في أرجائها الموت.

وقف يتأمل المشهد، لا منكِرًا، ولا شاكا، بل متسائلًا:

﴿أَنَّىٰ يُحْيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾

(البقرة: 259)

سؤال الفقيه المتأمل،

سؤال القلب الباحث عن الطريقة، لا عن القدرة.

سؤال الإنسان الذي يرى الموت واقعًا، ويريد أن يرى الحياة كيف تُبعث.

هنا، يقرر الله سبحانه وتعالى ألّا يجيب بالكلام،

بل أن يجعل السائل نفسه تجربةً حيّة للجواب.

١. المشهد الأول: القرية الخاوية… وصوت السؤال

يصور القرآن المشهد بتعبير بليغ:

﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾

أي سقطت سقوفها، وانهارت جدرانها، وتبدد أهلها، وتحوّلت إلى أثر بعد عين.

إنه موت العمران، موت الإنسان، موت الذكريات.

وفي مواجهة هذا الخراب، لم يقل الرجل: هذا مستحيل،

ولم يقل: هذا لا يمكن أن يعود،

بل قال بصراحة صادقة:

﴿أَنَّىٰ يُحْيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾

السؤال هنا ليس إنكارًا،

بل هو رغبة في فهم الكيفية.

إنه يشبه سؤال إبراهيم:

 

﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾

لكن الفارق أن الجواب لإبراهيم جاء بطريقة،

ولهذا الرجل جاء بتجربة كاملة.

٢. الجواب الإلهي: ليس بالكلام… بل بالموت

قال تعالى:

﴿فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾

هذا التحول الهائل — من الحياة إلى الموت، ومن الموت إلى الحياة — هو بذاته المعجزة:

لم يمرض
لم يتدرج الموت إليه
بل جاءه الموت فورًا
وأخذ مائة عام كاملة دون أن يشعر بمرورها

إن الله لم يرد أن يريه كيف يُبعث غيره،

بل أراد أن يريه كيف يُبعث هو.

إنه تعليم بالتجربة، لا بالنظرية.

٣. البعث: أول درس في الزمن الإلهي

بعد مائة عام، بعثه الله.

سألته الملائكة:

﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ؟﴾

قال الرجل:

 

﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾

الزمن الذي كان كالرعد مرّ عليه كلمح البصر.

هكذا يريد القرآن أن يقول:

إن الزمن مخلوق، وإن الله يقلبه كما يشاء.

ما تظنه طويلًا قد يكون عند الله قصيرًا،

وما تظنه مستحيلًا قد يكون عند الله قريبًا.

وهذا يشبه قول أهل الكهف:

“لبثنا يومًا أو بعض يوم”

بعد ثلاثمائة سنة.

الزمن ليس معيار القدرة…

بل هو جزء من مشيئتها.

٤. الدليل الأول: الطعام والشراب الذي لم يتغيّر

قال تعالى:

﴿ٱنظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾

أي لم يتغيّر، لم يتعفّن، لم يتبدّل،

بقي كما هو،

كأن مائة سنة لم تمر.

هذا الدليل الأول:

قدرة الله على إيقاف الزمن عن الأشياء كما يشاء.

فلو أن الطعام تغيّر لقال الرجل:

الطبيعة، السنين، التعفن… كلها أسباب.

لكن الله أوقف الأسباب.

٥. الدليل الثاني: الحمار الذي تغيّر

قال تعالى:

﴿وَٱنظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ﴾

الحمار الذي كان معه مات، وتفتت عظمه،

لم يبق منه إلا هيكل رمادي متفتت.

لماذا لم يحفظه الله كما حفظ الطعام؟

حتى يريه الفرق بين نوعين من القدرة:

قدرة الإبقاء
وقدرة الإعادة

فالأولى ظهرت في الطعام،

والثانية ستظهر في الحمار.

وهما معًا يبيّنان أن الله يخلق، ويحفظ، ويفني، ويعيد.

 

٦. الدليل الثالث: إعادة الخلق أمام عينيه

وهنا تأتي اللحظة الأعظم:

 

﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ﴾

أي سنجعلك شاهدًا حيًا على قدرة الإحياء.

 

قال تعالى:

﴿وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾

مشهد لا يتكرر في التاريخ:

العظام تتجمع
ترتفع
تتشكل
تُكسى باللحم
ينهض الحمار على قدميه
ثم يسير

إنه الإحياء بالعين،

لا بالسماع.

بالمشاهدة،

لا بالحدس.

وبذلك أجيب السؤال:

“كيف يُحيي الله بعد الموت؟”

 

ليس بالكلام،

بل بالفعل.

٧. الخاتمة التي تهزّ القلب: “اعلم أن الله على كل شيء قدير”

قال تعالى:

﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

هذه ليست مجرد كلمة،

بل هي إعلان ميلاد يقين جديد،

يقين مبني على عين اليقين،

لا على السمع ولا على الظن ولا على التقليد.

وهنا درس السلسلة كلها:

أن الله يفتح لك أبوابًا حين يُغلق عليك المكان والزمان.

وأنه قادر أن يجعل الموت بابًا للحياة،

والغيب عينًا تُرى،

والمستحيل ممكنًا.

٨. مكان المقال التاسع في فلسفة السلسلة

في مقالاتنا السابقة رأينا:

موسى يجد الفرج في الغربة
موسى ينشق له البحر
هاجر يتفجر لها زمزم
إبراهيم وسارة يولد لهما المستحيل
زكريا يُرزق بالولد
يونس يخرج من بطن الحوت
إبراهيم تُصبح النار بردًا وسلامًا

أما في هذا المقال، فنتجاوز الفرج…

إلى إحياء الموتى أمام العين نفسها.

إنه المرحلة الأعلى في المستحيل،

والدرجة الأسمى في الطمأنينة.

٩. ماذا يقول هذا المشهد للقلب المعاصر؟

 

يقول:

إذا رأيت الحياة خرابًا… فتذكر القرية الخاوية.
إذا رأيت اليأس يملأ المدن… فتذكر مائة عام من الموت.
إذا تفككت أجزاء حياتك… فتذكر العظام التي جمعها الله.
إذا مات الأمل… فتذكر الحمار الذي عاد يمشي.
وإذا سألت: كيف؟
فاعلم أن الجواب ليس دائمًا كلامًا…
إنما قد يكون فعلاً يصنعه الله في قلبك أو واقعك أو مستقبلك.

خاتمة المقال التاسع

 

إن هذا المشهد القرآني ليس مجرد قصة،

بل هو ورشة إيمانية مفتوحة،

يتعلم منها القلب كيف يرى الأشياء عند الله لا عند الناس،

وكيف يفهم أن الزمن لا يحدّ القدرة،

وأن الموت لا يغلق باب الرحمة،

وأن السؤال الصادق قد يُجاب بطريقة تُغيّر حياة السائل إلى الأبد.

 

ليس فقط أن الله يغيّر الواقع…

بل يغيّر قوانين الوجود نفسها حين يشاء.

زر الذهاب إلى الأعلى