د. فايد محمد سعيد: دار الإفتاء المصرية… 130 عامًا من العلم والريادة وخدمة الإسلام والمسلمين
متابعات يوتوبيا

تمرّ هذا العام مائة وثلاثون سنة على تأسيس دار الإفتاء المصرية؛ هذه المؤسسة العريقة التي شكّلت — منذ لحظة ميلادها — أحد أعمدة الإشعاع العلمي والشرعي في العالم الإسلامي، وواحدة من أهم الدور التي حفظت للفتوى مقامها، وللعلم هيبته، وللشريعة روحها ومقاصدها.
لقد قامت دار الإفتاء المصرية على يد علماء أجلاء، وواصل المسيرةَ عبر عقودٍ رجالٌ نذروا أنفسهم للعلم والتحقيق والاجتهاد، حتى غدت الدار اليوم نموذجًا رائدًا في صناعة الفتوى، وتحقيق مناطاتها، وتقديمها للناس في صورة تجمع بين الأصالة الراسخة والمعاصرة الواعية.
تهنئة واجبة… وتقدير مستحق
ونحن نحتفي بهذا الحدث العلمي الكبير، نتقدم بخالص التهنئة لسماحة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الديار المصرية، ورئيس دور وهيئات الإفتاء في العالم، هذا العالم الجليل الذي جمع بين العلم العميق، والسمت الرفيع، والرؤية الواسعة، والخطاب الشرعي الرصين الذي يَسَعُ الناسَ جميعًا.
لقد قدّم سماحته نموذجًا للفقيه المتبصر، والقائد الهادئ، والعالم القادر على تحويل الفتوى من اجتهاد فردي إلى مؤسسة عالمية لها منهج، وضوابط، وهيئات، وشراكات ممتدة عبر القارات.
مصر… الأزهر والفتوى والتاريخ
ولا يمكن الحديث عن دار الإفتاء دون الحديث عن مصر:
مصر الأزهر الشريف، مصر دار الإفتاء المصرية، مصر الحضارة والتاريخ.
ففي ربوع هذه الأرض المباركة، تعانقت الحضارة بالعلم، والتاريخ بالرسالة، فخرج منها الأزهر الشريف منارةً عالمية، وخرجت منها دار الإفتاء نموذجًا مؤسسيًا يُحتذى في العالم الإسلامي.
إن دور مصر في خدمة الإسلام والمسلمين — عبر العلم، والفتوى، والتعليم، والدعوة، ورعاية المقاصد الكبرى للشريعة — يظل شاهدًا حيًّا على عطائها المتصل منذ قرون.
ريادة عالمية في صناعة الفتوى وتأهيل المفتين
قدّمت دار الإفتاء المصرية — ولا تزال — خدمة جليلة في مجال التأهيل العلمي والمهني للمفتين، ليس في مصر فحسب، بل على مستوى العالم، من خلال الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، التي أصبحت اليوم منصة عالمية لتبادل الخبرات، وتعزيز الثوابت، وترسيخ منهج الوسطية، وتنظيم مهام الفتوى في زمنٍ تتعاظم فيه التحديات وتتسارع فيه المتغيرات.
وبرز دور الدار كذلك في العناية بالقضايا الكبرى التي تواجه الأمة، وتقديم معالجة شرعية رصينة تجمع بين العلم والأخلاق، وبين المقاصد والواقع، وبين النص وروحه.
مؤتمر الإفتاء العالمي… وموضوع الذكاء الاصطناعي
وقد كان الاختيار الموفق لموضوع المؤتمر الأخير لدور وهيئات الإفتاء — الذي انعقد في القاهرة — دليلاً جديدًا على بصيرة دار الإفتاء وقيادتها.
فالحديث عن الذكاء الاصطناعي هو حديث عن “قضية العصر ولغة العصر”، وقد استطاعت الدار بقيادة سماحة الدكتور نظير محمد عياد أن تُقدّم للعالم الإسلامي نموذجًا علميًا متوازنًا يربط بين التطور التكنولوجي والمبادئ الشرعية العليا، ويؤسس لاجتهاد جماعي يقدر قيمة الزمن ويستوعب تحديات المستقبل.
كلمة شكر ووفاء
وبالأصالة عن نفسي، وبالنيابة عن المسلمين في أوروبا، أتقدم بخالص الشكر لسماحة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، على ما يقوم به من خدمة للفتوى، وعلى ما يقدمه من نموذج للعالم المربي، والقائد الهادئ، والمجتهد الذي يجمع ولا يفرّق، ويقرّب ولا يُقصي.
كما نتوجّه بالشكر لمصر بلد الأزهر، ومصر دار الإفتاء، ومصر الحضارة والتاريخ، التي بقيت — وستبقى — منارة علمٍ واعتدالٍ ووسطية للعالم كله










