د علي المبروك أبو قرين يكتب : العالم العربي وأفريقيا بين المناخ والصحة ، نحو نهضة خضراء وإنسانية لحماية الحياة
مقالات للرأي

في البرازيل يجتمع العالم مجددا في مؤتمر COP30 للمناخ ليواجه الحقيقة الكبرى أن مستقبل الحياة على الأرض بات على المحك ، وأن الإنسانية ، بكل ما راكمته من علم وصناعة وتكنولوجيا ، أصبحت مهددة بما أنتجته أيديها من تلوث ، واحتباس حراري ، واختلالات مناخية وصحية واقتصادية وأخلاقية ، وفي هذا المشهد الكوني المترابط ، يقف العالم العربي وأفريقيا في قلب الأزمة ، لا كمتفرجين ، بل كضحايا ومعنيين ومؤهلين لأن يكونوا جزءًا من الحل ، لقد أفرطت البشرية في استهلاك الطبيعة ، في حرق النفط والفحم والغاز ، وفي تسميم الهواء والماء والتربة ، وفي تحويل الكوكب إلى حقل تجارب للاقتصاديات المدمرة للطبيعة باسم النمو والأرباح ، وأصبحنا نعيش موجات حر وجفاف غير مسبوقة ، وفيضانات وكوارث طبيعية متكررة ، وتصحر يزحف على الأراضي الزراعية ، ونقص في المياه ، وأمراض جديدة ومتحورة تنتشر مع التلوث ، وانهيار في النظم الصحية التي لم تُبن لتواجه أزمات المناخ بل لتعالِج أمراضا تقليدية ، وفي قلب هذه الدوامة ، تتجلّى أفريقيا والعالم العربي كمناطق مثقلة بالتناقضات ، قارات غنية بالثروات الطبيعية لكنها تعاني الفقر البيئي والصحي ، وتمتلك الشمس والرياح والمياه لكن معظمها تستورد الطاقة والغذاء والدواء ، وتملك أراضي خصبة وشبابا مبدعا لكنها تعاني من البطالة والفساد البيئي والعمراني ، وتسهم في أقل من 5% من انبعاثات الكربون لكنها تدفع الثمن الأكبر للكوارث المناخية والبيئية ، وفي المدن العربية والأفريقية الكبرى يتلوث الهواء بالدخان والعوادم ، وتختنق الأنهار بالمخلفات ، وتغرق الشواطئ بالنفايات البلاستيكية والطبية ، وفي الريف ، تتراجع الزراعة الخضراء لصالح الزحف العمراني والتجريف والتصحر ، وفي المستشفيات تتحول الرعاية الصحية إلى مصدر إضافي للتلوث نتيجة غياب أنظمة إدارة النفايات الطبية والاعتماد الكلي على الطاقة الأحفورية ، أما الأسواق فقد امتلأت بالسلع والأدوية المغشوشة ، وبمنتجات زراعية وصناعية بلا رقابة أو مواصفات بيئية ، وكلها تنعكس مباشرة على صحة الإنسان والحيوان والنبات ، وكل ذلك يحدث في غياب رؤية بيئية صحية موحدة ، وفي ظل غياب التنسيق بين وزارات البيئة والصحة والزراعة والطاقة والتعليم ، ولكن الصورة ليست قاتمة بالكامل، فالأمل لا يزال موجودا في ثروات الطبيعة التي وهبها الله للعرب والأفارقة والشمس الدائمة والرياح القوية ، والمياه الجوفية والبحار الواسعة ، والشباب الطموح ، وهذه المزايا يمكن أن تتحول إلى ركيزة لنهضة خضراء جديدة إذا ما تبنت الدول استراتيجيات تحول بيئي وصحي واقتصادي متكاملة تقوم على التحول إلى الطاقة المتجددة ( الشمس والرياح والهيدروجين الأخضر ) ، وإعادة إحياء الزراعة المستدامة والممارسات البيئية السليمة ، وتطوير أنظمة صرف صحي ومعالجة مياه تضمن دورة بيئية آمنة ، واعتماد التخطيط العمراني الأخضر الذي يحفظ الرقعة الزراعية ويقلل الانبعاثات ، وإنشاء اقتصادات دائرية تعيد تدوير الموارد والنفايات ، وإدماج الصحة المناخية في المناهج التعليمية والسياسات الوطنية ، وتمكين المجتمعات المحلية من أن تكون شريكا في حماية البيئة لا ضحية لها ، إن العدالة المناخية والصحية ليست شعارا غربيا ، بل حق إنساني يجب أن تتبناه أمتنا ، فالإنسان العربي والأفريقي يملك من التاريخ والإيمان والكرامة ما يؤهله لأن يكون حارسا للطبيعة لا عدوا لها ، وأن يستعيد توازنه مع الأرض كما كان في حضارات وادي النيل ، وقرطاج ، وتمبكتو ، وسبأ ، وواحات الصحراء الكبرى التي عرفت منذ آلاف السنين معنى التعايش مع الطبيعة باحترام ووعي وفطرة ، وإن النهضة الخضراء التي يتحدث عنها العالم اليوم يجب أن تكون نهضة إنسانية شاملة تعيد تعريف مفاهيم التقدم والصحة والتنمية والرفاه ، فالصحة ليست فقط خلو الجسد من المرض ، بل هي انسجام الإنسان مع بيئته ، وتوازن روحه مع الطبيعة ، وعدالة حصوله على الهواء النقي والماء النظيف والغذاء الآمن ، والمستقبل لن يُبنى على الإسمنت والحديد وحدهما ، بل على الوعي البيئي ، والمسؤولية الأخلاقية ، والسياسات التي تقدس الحياة ، ولذلك فإن مؤتمر COP30 في البرازيل ليس حدثا بيئيا فقط ، بل محطة تاريخية لإعادة اكتشاف الإنسان فينا، ولأن نقول للعالم من قلب العروبة وأفريقيا ، إننا لسنا ضحايا المناخ ، بل شركاء في صناعة مستقبل صحي أخضر آمن يحترم الحياة والإنسانية والطبيعة معا ..
د.علي المبروك أبوقرين










