مقالات الرأى

د راندا رزق تكتب الشباب والهوية بين المسئولية المجتمعية وسوق العمل

الشباب هم الذراع الكبير الذي يمكننا فيه غرس ركائز الهوية والتراث والحداثة الهادفة، وذلك لأن غرس الهوية بين المجتمع هو الباعث الأساس في البناء والتقدم والتفعيل الحقيقي للمسئولية المجتمعية ، وحيث إن المسئولية المجتمعية هي عمل إنساني وعمل تطوعي مجتمعي يدور بين الإلزام والجانب الإنساني ويؤكد مزية العمل التطوعي، وتصب في إطار العمل الإلزامي في المؤسسات الرسمية التي تعتني بهذا الجانب .

ومن ثم فإن للجامعة – التي يقضي فيها الشباب مرحلة عمرية في البناء والتثقيف – دورًا كبيرًا في المسؤولية المجتمعية؛ وذلك من خلال خدمة المجتمع التي تتحدد في إدارة الموارد البشرية، وكذلك إجراء الدراسات والبحوث العلمية، وأيضا المساهمة في عمليات التنشئة الاجتماعية، وذلك بالإضافة إلى مهام الجامعة الرئيسة في تشكيل وصياغة وعي الطلاب، وتناول مشكلات وقضايا المجتمع، والعمل على تنميته وخدمته، ودراسة ودراسة سوق العمل.

 

والجامعات الحديثة لا شك أنها تستهدف حشد كافة الطاقات في ضوء الاقتصاد القائم على المعرفة، وترسيخ ثقافة الابتكار، والإبداع لضمان استدامة النمو الاقتصادي، فضلا عن ضرورة مواكبة المستجدات في التعليم والبحث العلمي، التي توصلت إليها كبريات الجامعات على مستوى العالم، بالإضافة إلى تجويد المخرجات وربطها بسوق العمل من خلال خريجين من أصحاب المهارات العالية القادرين على خدمة أوطانهم بعد تخرجهم، وهو ما تضعه الجامعات نصب أعينها في الفترة المواتية والمستقبلية.

 

ولم تزل الجامعات إحدى أهم منابر الحضارة في كل المجتمعات، ومن هنا فقد بات من الضروري إداراتها بالشكل اللائق من أجل تنمية التفعيل الحقيقي للمسؤولية المجتمعية ودفع العاملين لجعلها من مجرد فكرة إلى سلوكيات وطريقة أداء لممارسة المسؤولية المجتمعية حتى يتأصل في عقول العاملين والطلاب على السواء، وحتى تُسهم الجامعات بنصيب وافر تجاه تلك التنمية التشاركية المهمة، التي يجدر بها أن يطول أثرها وتأثيرها مختلف مجالات الحياة، من أجل أن ينعم المواطنون – أولا- بنعمة البيئة (الماء والهواء والغذاء)، وثانيا- بنعمة الأمان والاستقرار الاقتصادي، والسير نحو التطور والتقدم، وثالثا- توفير الاستحقاقات اللازمة.. وذلك لن يتأتى إلا بالفهم العميق والعطاء والبذل، والتكاتف والمشاركة، والمبادرات المحمودة، واستثمار تبادل المصالح بقدر كبير.

 

إن هذه المسؤولية التي يجب أن تشمل تصرفات المواطنين وعقولهم يجب أن تكشف عن إدراك وفهم حتى تكون قادرة على التجديد والتكرار والتطوير والتحسين.

 

إنها مسؤولية تُضاهي الواقع بجميع مكوناته، وتنمي شعور الأفراد بانتمائهم لذلك الوطن. وتعد المواطنة واجبا وحقا يحصده الفرد من خلال المجتمع الذي يمثل بوتقة تتفاعل من خلالها المدخلات إلى أن يتحول إلى مظلة يتفيأ المواطنون ظلالها من كل الأطر والطبقات والثقافات والبيئات. ولذلك فإن الجامعة تستطيع من خلال إيلاء مسؤولية المجتمع اهتماما خاصا ينبثق عن رسالة وفلسفة ورؤية واضحة قابلة لتعميمها متى وُجد الاهتمام، سواء أكان ذلك الاهتمام خارجيا أم داخليا.

في الوقت الذي تشمل فيه المسؤولية المجتمعية وجود خطة ومنهج نابع من حسابات دقيقة لموضوعات وأولويات لها علاقة بالاحتياجات الضرورية، ومن هنا تتميز بالديمومة.

وإننا في المجلس العربي للمسئولية المجتمعية نهدف إلى تحقيق شراكات مجتمعية مع أذرع التنمية المستدامة والعمل الخيري والتطوعي ومؤسسات المجتمع المدني لتحقيق جوانب التنمية المستدامة وبذل الخير للمجتمع .

 

ومما يوضح أهمية المسؤولية المجتمعية للجامعات العربية، أن تفعيل الجامعات للمسؤولية المجتمعية أصبح شرطًا أساسيًا من شروط ارتقاء الجامعة في التصنيف العالمي، وتهدف إلى ترسيخ فيم التكافل والتعاون والشراكة، بالإضافة إلى رفع كفاءة الجامعات وعودة الوطن العربي قبلة للتعليم والثقافة، وأن التصنيف العالمي للجامعات والجودة والاعتماد أصبح متعلقًا بالهوية التراثية والمستقبل الحداثي ، عن طريق ركائز التنمية المستدامة والحفاظ على تراثنا.

ومن ثم يظهر التأكيد على أن دور الجامعات الآن لم يعد هدفه هو الرسائل العلمية المجردة، ولكنه تعدى ذلك إلى جوانب متنوعة من الحياة اليومية، وإن كانت الرسائل هي أخد الأهداف الرئيسة التي تسعى إليه الجامعات، فإن الجامعة لم يعُد يُنظر إليها باعتبارها مؤسسة علمية فحسب، ولكن أيضًا أصبحت تمثل مؤسسة اقتصادية واجتماعية ومجتمعية وثقافية بالمعنى الأشمل الذي يعنى بالاهتمام بجميع ما يشغل المجتمع، ويتعلق بسوق العمل ، ويحدث التسويق التفاعلي بين سوق العمل وبيئة المجتمع الفاعلة للإفادة بها في حاضر الإنسان بمستقبل واعد، وغد مشرق .

زر الذهاب إلى الأعلى