أخبار ومتابعاتثقافة وابداعمقالات الرأىمنوعات

د خالد غانم يكتب: المعلم الثاني (قصة قصيرة من قصص الأطفال ).

يوسف خالد

 

في وسط حديقة يانعة وفي جو الربيع الهاديء البديع

جلس الجد مع أحفاده يوما  ( جوهر ـ جندوس ـ شمس الدين ـ علي ـ خيرات )

وقال لهم: يا أحفادي لعلكم تشتاقون إلى حكاية.

فقالوا: نعم يا جدي .

فقال الجد: حكاية اليوم  تبعد عن هذا الزمن بـ 1150 عاما.

فقال الأبناء: إي وربي    ……  1150 عامًا!!

********

وتسآءل الأبناء … أي مكان هذا؟؟

فقال الجد اسمعوا يا أبنائي …

الآباء هم الذين يزرعون ونحن نحصد

والسابقون هم أصولنا ونحن فروعنا.

فقالت جوهر يا جدي ما معنى أصولنا؟

فقال الجد: الأصول هم كل من سبقنا من الرجال والنساء، والذين نحن نتمي إليهم.

وقال جندوس: وما معنى ننتمي إليهم؟

فقال الجد: الإنتماء أن تحب من سبقك، وأن تحترمه، ولا تبخسه حقه…

الإنتماء يا أبنائي  هو من صفاء الأنبياء والمصلحين.

فقال شمس الدين: معنى هذا أن الانتماء دليل الحق والخير …

قال الجد الانتماء طريق الاستقرار والأمان.

**********

ثم قال الجد :أوووه يا أبناء  …كدت أن أنسى…

الآباء هم من تعبوا ونحن نجني ونحصد ونستفيد

فقال علي: يا جدي اعط لنا مثاًلا..

********

فقال الجد: الشيخ الكبير أبو نصر الفارابي

هو أحد أسلافنا … وناشر العلم في كثير من بلدان العالم

قال خيرت: الفارابي !! هل معنى هذا أنه من بلدنا؟

قال الجد: نعم من فاراب التي سميت بعد ذلك بـ أوترار ـ بكازاخستان …

***********

قالت جوهر يا جدي لكني قرأت أنه من بلاد أخرى؟!!!

فقال الجد: نعم … وهذا  ما نراه في كثير من العلماء البعض يريد أن ينسبه لوطنه، لكننا نعرف ذلك حقًّا من التاريخ والواقع وملامح الفارابي التي هي نفس ملامحنا.

قال شمس الدين يا جدي ما حكاية الفارابي؟

قال الجد:

        نشأ الفارابي في مزرعة يمتلكها أبوه عن جده ، وحَفِظَ القرآن في مسجد إقليم فاراب ودرس فيه الفقه والحديث والتفسير، ودرس الرياضيات وغيرها من المواد وأتقن قراءة اللغة العربية و كتابتها.

قالت جوهر: وكيف تعلم هذا؟

      قال الجد: كان يسكن هنالك عالم مجهول الهوية لدية كتب كثيرة في الفلسفة والمنطق والرياضيات وغيرها ، وأراد هذا العالم السفر فخاف على ضياع هذه الكتب فحملها إلى الفارابي وأودعها عنده لعلمه أنه يحب اقتناء الكتب ؛ لدراستها و فهم ما جاء فيها و قال له : ” إذا عدت من سفري هذا قريبًا فأرجعها لي وإن لم أعد فهي لك بعد عشر سنوات”، ففرح محمد بها فرحًا كبيرًا، فعكف على قراءتها، وتعلم ما فيها ليلا ونهارا.

قال جندوس: وهل تعلم من علماء سبقوا له.

قال الجد نعم نعم يا بني… في البداية قرأ كتابات أرسطو وأفلاطون في الفلسفة و المنطق وأُعجب بها ،

ثم قال الجد: يا أحفادي أسمعوا غلى كلام الفارابي وهو يقول  : ” عكفت على قراءة كتب أرسطو وأفلاطون فقرأتالكتاب الواحد أربعين مرة و أكثر و كنت أكتب على الكتاب عدد المرات التي قرأته فيها، فكانت هذه الكتب مطبوعة في ذاكرتي ” .

**************

فقال علي: يا جدي ممكن أسأل سؤلًا؟

قال الجد: نعم يا بني ولماذا كنت تسكت مل هذا الوقت؟

قال على: حتى أفهم جيدًا  وأجمع أطراف الحكاية في عقلي.

فقال الجد: لعل سؤالك بعد هذا رائعًا …. سل يا بني.

قال علي:  كيف استطاع أن يجمع هذه العلوم؟ فهل انتقل الفارابي إلى بلدان أخرى وسافر؟؟

************

قال الجد: حقًّا إنه سؤال رائع….

اسمعوا يا أحفادي …

كان الفارابي يحب السفر ويتمنى أن يسافر، وتحقق حلمه، فقام بوضع الكتب التي تركها العالم عند أحد تلامذته وانطلق في سفره .

******

قال خيرت: وأين سافر؟

سافر الفارابي بين بلاد آسيا الوسطى و بلاد فارس و خراسان و مر بمدينة بغداد و استقر فيها، و كان ذلك عام 922 ميلادي الموافق 310 هجري وكان عمره حوالي الخمسين عامًا.

قال: علي: بغداد بيت الحكمة… إذن تعلم  الفارابي الرياضة والطب.

قال الجد: بعدما استقر الفارابي في بغداد بدأ يبحث عن دروس العلم، فدرس على يد الحكيم المشهور أبو بشر متَّى بن يونس، و كان التلامذة يدرسون الفلسفة والمنطق على يديه و كان الفارابي التلميذ الأكبر سناً بينهم ، فهم الفارابي على يدي الحكيم أبو بشر كتب أرسطو و أفلاطون التي كانت لديه في الفلسفة و المنطق ، ثم أخذه الحكيم أبي بشر إلى صديقه أبي بكر السراج ليتقن اللغة عنده و جلس الفارابي عنده يدرس معه بضعة شهور حتى تفوق الفارابي على أستاذه أبي بكر السراج في النحو و الصرف و تفوق بالفلسفة والمنطق على الحكيم أبي بشر.

****** .

ثم قال الجد: صحيح ما قاله عليٌّ درس الفارابي الطب فبعدما أنهى الفارابي دراسته على يد شيخيه، سمع بالأستاذ يوحنا بن حيلان الذي كان يُدرِّس الفلسفة و المنطق، فسافر الفارابي إليه وكان يعيش في مدينة حرَّان ليدرس على يديه الفلسفة والمنطق و كان ابن حيلان أيضًاعلى معرفة بالطب فدرس الفارابي الطب على يديه أيضاً و تفوق على أستاذه في هذين المجالين و عندما انتهى الفارابي من الدراسة في حرَّان عاد إلى بغداد .

********

قال جندوس: يا جدي هل عاد بعدها إلى بلدنا؟

قال الجد: لا يا بني

قالت جوهر: وأين ذهب الفارابي بعد ذلك؟

قال الجد:


بعد انتهاء الفارابي من الدراسة في بغداد على يد الحكماء والأساتذة، سافر إلى مصر بلد العلم والعلماء.

وهناك كتب العديد من الكتب… ومن أهمها كتاب يصف أهل المدينة الفاضلة .

****************

فقال علي: ولماذا كتب هذا الكتاب يا جدي

قال الجد: يبدو أن الفارابي تأثر بشعب مصر الطيبين فكتب الكتب وهو يتخيل أن يكون كل أهل الأرض طيبًا.

فقالت جوهر: يا جدي أنا أشتاق غلى رحلة معك إلى مصر حتى نرى الأهرامات، والأزهر الشريف ، ونجلس مع العلماء هناك ..

قال الجد: أن على موعد يا أبنائي للسفر بعد أن يرفع الله البلاء عن العالم وتبدا رحلات الطيران.

قال جميع الأبناء: آمين … آمين … نحن جميعًا نريد السفر إلى مصر.

*******

ثم قال خيرت: يا جدي هل سافر إلى بلد أخرى؟

قال الجد: انتقل الفارابي إلى دمشق بأرض الشام، وكان ذلك عام 941 ميلادي / 329 هجري، حين قد بلغ السبعين من العمر.

******

قال علي: وكم وقتًا أمضاه في بلاد الشام؟

قال الجد:

أمضى الفارابي حوالي تسع سنوات في الشام تحت كنف سيف الدولة الحمداني وعاش حياته زاهدًا، حتى توفي في دمشق عام 950 ميلادي الموافق 339 هجري عن عمر يناهز الثمانين عامًا.

قال شمس الدين: وكيف كانت وفاته وهو بعيد عن بلدنا؟

قال الجد: كانت وفاته مصيبة تأثر بها الجميع…. وحزن عليه كل من سمع بخبر وفاته حتى رئيس الدولة وقتذاك، وكانت جنازته من أعظم الجنازات فقد سار فيها سيف الدولة الحمداني وعلماء كثيرون وتلامذة أكثر.

*****

ثم نظر الجد إلى أحفاده فوجد عيونهم تنساب منها الدموع… ثم أخذ منديلًا وأعطاه لهم وقال امسحوا دموعكم يا أبنائي…. الفارابي لم يمت لكنه ترك تراثًا كبيرا وعلما عظيمًا.

فقالت جوهر: اذكر لنا بعض هذه الكتب من فضلك يا جدي.

قال الجد: كتب الفارابي كتبًا كثيرة منها:

إحصاء العلوم ….. جمع فيها أصناف كل العلوم.

الموسيقى الكبير …..

قال علي: غذن يا جدي نحن نحب الموسيقى لأن أسلافنا كتبوا عنها.

قال الجد: نعم يا بني … كذلك الفارابي  قدم رسمًا لاختراع آلة العود وتحديثها، ونحن صنعنا بعد ذلك آلة دومبيرا“.

***********

قال جندوس يا جدي ممكن أسألك سؤلًا؟

قال الجد:  نعم

ثم تبسم الجد قائلًا: يا بني حسبتك نائمًا.

قال جندوس: لا يا جدي فالحكاية شيقة وكنت أفكر فيما أسمع.. اسمح لى بالسؤال؟

قال الجد: بكل سرور يا بني.

قال جندوس: وهل كتب الفاربي هذه الكتب بلغتنا أم بلغة أخرى؟

قال الجد: يا بني كتب الفارابي أكثر كتبه باللغة العربية؛لأنه كان يعرفها جيدًا، بل كتب كتابًأ اسمه الحروف” وهو كتاب متخصص في قواعد اللغة العربية.

قال علي يا جدي ولهذا لقبه العلماء بفيلسوف العرب؟


قال الجد: نعم يا بني …لُقِّبَ محمد بن محمد بن طرخان بألقاب كثيرة، بالفارابي ؛ لأنه وُلِدَ في فاراب، ولُقِّبَ بفيلسوف العرب لأنه كان يعرف الللغة العربية وكتب كتبه باللغة العربية، والعرب تعلموا من كتبه وشرحوها.

قال خيرت:  قرأت أنه لقب بالمعلم الثاني فلماذا؟

قال الجد:  نعم يا بني لقب بالمعلم الثاني؛ لأنه طُلِبَ منهُ جمع ترجمات أشرفت على التلف فترجمها وراجعها واستخلص منها ترجمة واحدة مُطابِقةٌ للأصل فأنجز المهمة،ووُضِعَت ترجمته تحت إسم التعليم الثاني على اعتبار أن التعليم الأول قام به أرسطو وكان ما كتبه التعليم الثاني، ولهذا لقبه المعلم الثاني .

 

قالت جوهر: يا جدي أيهما أعلم؟

فضحك الجد وقال:   أسعدك الله يا جوهر… لقد سئل هذا السؤال للفارابي  كما قرأت في كتب التاريخ…..سئل أبو نصر: من أعلم أنت أم أرسطو؟ فقال: لو أدركته لكنت أكبر تلاميذه.

قال  جندوس: وهل قدم الفارابي اخراعًا آخر غير آلة الموسيقى ..؟؟

قال الجد: نعم يا بني.. تحدث عن الجاذبية الأرضية التي شرحها العالم ” نيوتن” بعد ذلك.

ثم دقت الأم ريان  الباب…. ثم دخلت …

وقالت كنت أسمع معكم قصة الفاربي وان أطهي الطعام … فهل تتفضلوا أعددت لكم طعامًا كازاخيا ومصريًا

فقال الأولاد وما هو يا أمي

قالت الأم ريان: باورساق  وبشبرمق وملوخية ولحمًا مشويًا وبعص العصائر … هيا إلى الطعام.

قال علي: جدي … جدي … سؤال سؤال قبل الطعام   ….

قال الجد: تفضل تفضل يا بني ..

قال علي: بماذا توصينا يا جدي؟

قال الجد: أريد منكم يا أبنائي أن يكون كل واحد منكم الفارابي.

قال الأبناء: في صوت واحد كيف يا جدي؟

قال الجد: أن نتعلم … ونفكر …. ونبتكر ….. ونفيد المجتمع وأوطاننا.

فقال الأبناء نعم يا جدي فالعلم نور …. وهو الطريق إلى الجنة.

ثم قالوا في صوت واحد …. في المستقبل أكون مثل الفارابي في المستقبل أكون مثل المعلم الثاني

زر الذهاب إلى الأعلى