مقالات الرأى

د. أسامة شاهين يكتب: الوباء الصامت وتأثيره علي الصحة العقلية

في عالم اليوم المترابط، أدى انتشار الأجهزة الرقمية والتكنولوجيا إلى تغيير كبير في الطريقة التي نعيش بها، ونعمل ونتواصل. في حين أن التطورات الرقمية جلبت بلا شك فوائد لا حصر لها، مثل زيادة الكفاءة والاتصال، إلا أن هناك قلق متزايد حول تأثير الضغط الرقمي على الصحة العقلية. يشير مصطلح الإجهاد الرقمي إلى العواقب النفسية والعاطفية السلبية التي تنشأ من تفاعلنا المستمر مع التكنولوجيا، بدءًا من ضغط وسائل التواصل الاجتماعي إلى الحمل الزائد للمعلومات. لقد أصبحت هذه الظاهرة قضية عالمية تؤثر على الأفراد من جميع الأعمار والفئات السكانية في مختلف البلدان.

يظهر الضغط الرقمي بعدة طرق، بما في ذلك القلق والاكتئاب واضطرابات النوم والشعور بعدم الكفاءة أو ( fear of missing out ) FOMO وقد ساهم التعرض المستمر للمحفزات الرقمية، إلى جانب الضغط للبقاء على اتصال والتوافر على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، في زيادة مشكلات الصحة العقلية في جميع أنحاء العالم. وفقا لمنظمة الصحة العالمية، يعد الاكتئاب واضطرابات القلق من بين الأسباب الرئيسية للإعاقة على مستوى العالم، مما يسلط الضوء على الحاجة الملحة لمعالجة تأثير الإجهاد الرقمي على الصحة العقلية.

أحد الجوانب المهمة للضغط الرقمي هو الإفراط في استهلاك وسائل التواصل الاجتماعي، والتي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الحياة الحديثة. أظهرت الأبحاث أن الاستخدام المفرط للمنصات الاجتماعية يمكن أن يؤدي إلى الشعور بالعزلة، وتدني احترام الذات، وإحساس مشوه بالواقع. وجدت دراسة أجريت في الولايات المتحدة أن الشباب الذين يقضون أكثر من ساعتين يوميًا على وسائل التواصل الاجتماعي كانوا أكثر عرضة للإبلاغ عن ضعف الصحة العقلية، بما في ذلك أعراض القلق والاكتئاب. وعلى نحو مماثل، في كوريا الجنوبية، حيث يعد انتشار الإنترنت من بين الأعلى على مستوى العالم، أثيرت مخاوف بشأن الآثار الضارة التي يخلفها “الإدمان الرقمي” على الصحة العقلية، وخاصة بين الشباب.

علاوة على ذلك، تم ربط التدفق المستمر للمعلومات والإشعارات من الأجهزة الرقمية بظاهرة تعرف باسم “الإجهاد التقني”، وهو شكل من أشكال الضغط الناتج عن عدم القدرة على التعامل مع التكنولوجيا. في اليابان، حيث تسود ساعات العمل الطويلة وثقافة الحضور إلى العمل، يبلغ الموظفون بشكل متزايد عن مستويات عالية من الإجهاد التكنولوجي، مما يؤدي إلى الإرهاق وتحديات الصحة العقلية. إن الضغط الذي يتطلبه البقاء على اتصال دائم والاستجابة للاتصالات المتعلقة بالعمل قد أدى إلى طمس الحدود بين الحياة المهنية والحياة الشخصية، مما ساهم في زيادة القلق وعدم الرضا الوظيفي.

لا يقتصر الضغط الرقمي على التجارب الفردية ولكنه يؤثر أيضًا على الرفاهية المجتمعية على نطاق أوسع. في الهند، حيث يتزايد استخدام الإنترنت بسرعة، أثيرت مخاوف بشأن تأثير الضغط الرقمي على الصحة العقلية للمراهقين والشباب. إن الضغط من أجل الامتثال لمعايير الجمال غير الواقعية، والخوف من التنمر عبر الإنترنت، والمقارنة المستمرة مع أقرانهم على وسائل التواصل الاجتماعي، قد خلق بيئة سامة تقوض الصحة العقلية واحترام الذات.

لا يؤثر هذا الضغط الرقمي على صحتنا العقلية ورفاهيتنا فحسب، بل له أيضًا آثار محتملة على صحتنا الجسدية، بما في ذلك زيادة خطر الإصابة بأمراض التنكس العصبي مثل مرض الزهايمر. حيث تكشف الإحصائيات عن اتجاه مثير للقلق في انتشار الإجهاد الرقمي وتأثيره المحتمل على مرض الزهايمر. وفقًا لاستطلاع أجرته جمعية علم النفس الأمريكية، فإن 65% من الأمريكيين يعتبرون الإنترنت مصدرًا مهمًا للتوتر في حياتهم. علاوة على ذلك، وجدت دراسة نشرت في مجلة مرض الزهايمر أن الأفراد الذين أبلغوا عن مستويات أعلى من الإجهاد التقني كانوا أكثر عرضة للإصابة بضعف إدراكي مرتبط بمرض الزهايمر في وقت لاحق من الحياة.

ولمكافحة الآثار السلبية للإجهاد الرقمي على الصحة العقلية، من الأهمية بمكان أن يتخذ الأفراد وصناع السياسات وشركات التكنولوجيا تدابير استباقية. يمكن أن تساعد حملات التثقيف والتوعية بشأن الرفاهية الرقمية الأفراد على تطوير عادات رقمية صحية وآليات التكيف لإدارة التوتر. وفي سنغافورة، أطلقت الحكومة مبادرات لتعزيز المعرفة الرقمية والصحة العقلية بين الشباب، مع التأكيد على أهمية تحقيق التوازن بين الأنشطة عبر الإنترنت والأنشطة غير المتصلة بالإنترنت.

وتلعب شركات التكنولوجيا أيضًا دورًا محوريًا في معالجة الضغوط الرقمية من خلال تصميم منصات تعطي الأولوية لرفاهية المستخدم على مقاييس المشاركة. على سبيل المثال، قدم عملاق وسائل التواصل الاجتماعي فيسبوك ميزات تسمح للمستخدمين بمراقبة وقت الشاشة، وتعيين حدود الاستخدام، والتحكم في المحتوى الذي يرونه، مما يمكّن الأفراد من التحكم في تجربتهم عبر الإنترنت.

وفي الختام، فإن تأثير الإجهاد الرقمي على الصحة العقلية هو قضية معقدة ومتعددة الأوجه تتطلب جهدا متضافرا من الأفراد والمجتمعات والحكومات لمعالجتها بفعالية. ومن خلال إدراك العواقب السلبية المترتبة على المشاركة الرقمية المفرطة وتنفيذ استراتيجيات لتعزيز الرفاهية الرقمية، يمكننا التخفيف من الآثار الضارة الناجمة عن الإجهاد الرقمي وتعزيز علاقة أكثر صحة مع التكنولوجيا. وبينما نتنقل في المشهد الرقمي المتطور باستمرار، يجب أن يكون إعطاء الأولوية للصحة العقلية في طليعة جهودنا لخلق مستقبل رقمي أكثر توازناً واستدامة للجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى