يمثل الشباب قوة حية في أي مجتمع؛ فهم الأقرب إلى المبادرة، والأسرع في التعلم، والأكثر قدرة على التأثير في محيطهم الواقعي والرقمي. وعندما تقترن هذه الطاقة بالوعي القانوني، تتحول المشاركة الشبابية إلى فعل منظم يحمي السلم المجتمعي، ويقوي الثقة، ويدعم التنمية. ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن الشباب والقانون وبناء السلام، باعتباره حديثًا عن تحويل الحماس إلى مسؤولية، والرغبة في المشاركة إلى أثر مستدام.
ولا يقصد بالشباب هنا حد عمري معين، فالتعريفات قد تختلف بين القوانين والسياسات والبرامج. المقصود هو الفئة التي تمتلك قابلية عالية للتعلم والعمل الجماعي والمبادرة والتأثير. أما القانون، فهو الإطار الذي يوضح الحقوق والواجبات، ويحمي المبادرة من الفوضى، ويمنع إهدار الجهد أو استغلال الحماس. وبناء السلام هو الجهد الذي يساعد المجتمع على إدارة الخلاف، وتقليل العنف، ومواجهة خطاب الكراهية، وبناء الثقة بين الناس والمؤسسات.
وتزداد أهمية هذه الرؤية في ضوء رؤية مصر ٢٠٣٠، التي تجعل الإنسان محور التنمية وغايتها، وتربط جودة الحياة ببناء القدرات والمعرفة والعدالة والاستدامة. فالشباب الواعي بالقانون، والمدرب على الحوار، والقادر على العمل الجماعي، يشارك في بناء مجتمع أكثر استقرارًا وقدرة على الإنتاج والتعلم والتطور. السلام هنا شرط عملي للتنمية، لأنه يخلق بيئة آمنة للتعليم والعمل والاستثمار والمشاركة العامة.
الأساس الدستوري والقانوني للمشاركة الشبابية
يقدم الدستور المصري أساسًا واضحًا لرعاية الشباب وتمكينهم. فقد نصت المادة (٨٢) على أن: “تكفل الدولة رعاية الشباب والنشء، وتعمل على اكتشاف مواهبهم، وتنمية قدراتهم الثقافية والعلمية والنفسية والبدنية والإبداعية، وتشجيعهم على العمل الجماعي والتطوعي، وتمكينهم من المشاركة في الحياة العامة.” وهذا النص يضع الشباب داخل مشروع بناء الإنسان، من خلال الرعاية، وتنمية القدرات، والتطوع، والمشاركة المنظمة.
وتدعم المادة (٧٥) حق تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية، بما يفتح أمام الشباب مسارات قانونية لخدمة المجتمع. كما تقرر المادة (٨٧) أن مشاركة المواطن في الحياة العامة واجب وطني، وتقرر المادة (٥٩) أن الحياة الآمنة حق لكل إنسان. وعند قراءة هذه المواد معًا، يتضح أن مشاركة الشباب جزء من حياة عامة آمنة ومسؤولة.
وعلى المستوى التشريعي، ينظم قانون تنظيم الهيئات الشبابية رقم ٢١٨ لسنة ٢٠١٧ أطرًا مؤسسية لرعاية الشباب وتقديم الخدمات الثقافية والاجتماعية والرياضية وغيرها. كما ينظم قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي رقم ١٤٩ لسنة ٢٠١٩ العمل التطوعي، ويؤكد أنه نشاط حر يهدف إلى النفع العام دون قصد الربح. وبهذا تصبح المشاركة الشبابية مساحة قانونية لها ضوابط، وحقوق، ومسؤوليات، وأثر اجتماعي.
الشباب باعتباره قوة وحوار وخدمة
أول مسار عملي لبناء السلام هو الوقاية. فالشباب بحكم وجودهم في المدارس والجامعات ومراكز الشباب والمنصات الرقمية يستطيعون ملاحظة مؤشرات التوتر مبكرًا: تنمر، شائعة، خطاب كراهية، خلاف داخل حي، أو غضب مرتبط بخدمة عامة. والتعامل الواعي مع هذه المؤشرات يمنع تضخمها، خاصة عندما يستند إلى معلومات صحيحة، واحترام للاختصاصات، وتواصل مع القنوات المؤسسية المناسبة.
والمسار الثاني هو الحوار. فالشاب الذي يتعلم الإصغاء، واحترام الاختلاف، وإدارة الغضب، والرد دون إهانة، يمتلك أدوات حقيقية لحماية محيطه من التصعيد. وهذه المهارات تصلح للأسرة، والجامعة، والعمل، والمبادرات المجتمعية. ومن هنا تستطيع الجامعات ومراكز الشباب والجمعيات أن تتحول إلى مساحات عملية لتدريب الشباب على الحوار والوساطة والتفكير الهادئ.
أما المسار الثالث فهو الخدمة العامة. المشاركة في محو الأمية، ودعم التعليم، وحملات الصحة، وحماية البيئة، ومساندة كبار السن، ودعم الأطفال والأسر الأولى بالرعاية، تجعل الشباب أكثر قربًا من احتياجات الناس. والخدمة المنظمة تعلّم الشاب الانضباط، والرحمة، واحترام الوقت، والعمل ضمن فريق، وتمنحه فهمًا عمليًا للمواطنة.
الشباب والسلام والأمن في المنظور الدولي
على المستوى الدولي، اعتمد مجلس الأمن القرار رقم ٢٢٥٠ لسنة ٢٠١٥ بشأن الشباب والسلام والأمن، مؤكدًا الدور الإيجابي للشباب في منع النزاعات وتسويتها وبناء السلام. وتقوم هذه الأجندة على خمسة محاور: المشاركة، والحماية، والوقاية، والشراكات، وإعادة الإدماج. ورغم ارتباط القرار بسياقات النزاعات المسلحة، فإن منطقه العملي يقدم دروسًا نافعة لكل مجتمع يريد أن يجعل الشباب جزءًا من الحل.
فالمشاركة تعني سماع صوت الشباب في القضايا التي تمس حياتهم. والحماية تعني صونهم من العنف، والاستغلال، والتطرف، وخطاب الكراهية، والمخاطر الرقمية. والوقاية تعني معالجة أسباب الغضب أو العزلة أو اللامبالاة قبل أن تتحول إلى أزمة. والشراكات تربط الشباب بالمؤسسات التعليمية، ومراكز الشباب، والجمعيات، والقطاع الخاص، والإعلام، والمؤسسات الدينية والثقافية. أما إعادة الإدماج، فتعني منح من تعثروا تعليميًا أو اجتماعيًا فرصة للعودة إلى مسار إيجابي عبر التدريب والإرشاد والعمل.
مسارات عملية في ضوء رؤية مصر ٢٠٣٠
يمكن ترجمة هذه الرؤية إلى خمسة مسارات واضحة. الأول هو الوعي القانوني، من خلال تعريف الشباب بحقوقهم وواجباتهم وقواعد المشاركة العامة والعمل الأهلي والتطوع والمسؤولية الرقمية. والثاني هو التدريب على الحوار والوساطة، بما يساعدهم على إدارة الخلاف في الأسرة والجامعة والعمل والمجتمع. والثالث هو التطوع المنظم، القائم على دور واضح، وساعات محددة، ومشرف، وتدريب، وتقييم، وتوثيق للخبرة.
أما المسار الرابع فهو السلام الرقمي، حيث يستطيع الشباب مواجهة الشائعات، ورفض إعادة نشر الإساءة، والتحقق من المعلومات، وصناعة محتوى يحترم الإنسان. والمسار الخامس هو ربط الشباب بالتنمية المحلية، من خلال مشاركتهم في التعليم، والصحة، والبيئة، ومحو الأمية الرقمية، وريادة الأعمال، ودعم الفئات الأولى بالرعاية. وهذه المسارات تنسجم مع رؤية مصر ٢٠٣٠ في بناء الإنسان، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز الشراكة بين المواطن والمؤسسة.
وفي الختام، فإن الشباب والقانون وبناء السلام يلتقون عند فكرة واضحة: الطاقة تحتاج إلى وعي، والحماس يحتاج إلى تنظيم، والمشاركة تحتاج إلى مسار عادل. وحين يعرف الشاب حقه وواجبه، ويتدرب على الحوار، ويشارك في خدمة منظمة، ويحسن استخدام الكلمة في الواقع والفضاء الرقمي، يصبح شريكًا حقيقيًا في حماية المجتمع من التوتر والكراهية واللامبالاة. وبذلك يتحول بناء السلام إلى ممارسة يومية تبدأ من الأسرة والجامعة ومركز الشباب والجمعية والمنصة الرقمية، وتمتد إلى مجتمع أكثر ثقة وقدرة على البناء.










