الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب.. موقع الإرادة السياسية في معادلة التغيير نحو الأفضل
متابعات يوتوبيا

في مسار التحولات الكبرى التي شهدتها الدول والمجتمعات عبر التاريخ، لم يكن التغيير نتاج الصدفة أو حتمية الظروف وحدها، بل كان – في جوهره – ثمرة إرادة سياسية واعية أدركت لحظتها التاريخية، وامتلكت الشجاعة لاتخاذ القرار، والقدرة على تحويله إلى واقع. من هنا يبرز سؤال محوري: ما موقع الإرادة السياسية في معادلة التغيير نحو الأفضل؟ وهل يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينجح في غيابها، مهما بلغت دقة الخطط وكفاءة الخبراء؟
أولًا: مفهوم الإرادة السياسية
الإرادة السياسية (Political Will) لا تعني مجرد الرغبة أو إطلاق الشعارات، بل هي حالة مركبة تقوم على تلاقي أربعة عناصر رئيسية:
1. الرؤية والتصور (Vision):
وجود هدف واضح ومحدد للتغيير، سواء تعلق بإصلاح التعليم، أو بناء اقتصاد منتج، أو مكافحة الفساد، أو تحقيق العدالة الاجتماعية. فغياب الرؤية يجعل السياسات ارتجالية وردّ فعل للأزمات.
2. الالتزام (Commitment):
استعداد صانع القرار لتسخير الوقت والموارد ورأس المال السياسي لتحقيق الرؤية، حتى وإن ترتب على ذلك كلفة سياسية مؤقتة، مثل تراجع الشعبية أو الاصطدام بمراكز نفوذ قوية.
3. القيادة والتعبئة (Mobilization & Leadership):
القدرة على حشد الدعم داخل مؤسسات الدولة وخارجها، وبناء تحالفات سياسية ومجتمعية تضمن استمرارية مشروع التغيير وعدم عزله.
4. المثابرة (Persistence):
الإصرار على الاستمرار رغم المقاومة والعقبات، وعدم التراجع عند أول أزمة أو ضغط، وهو ما يميز التغيير الجاد عن المبادرات الشكلية.
ثانيًا: من الإرادة إلى الفعل
الإرادة السياسية لا قيمة لها إذا لم تتحول إلى سياسات وإجراءات ملموسة. ويتحقق ذلك عبر:
سنّ تشريعات وقوانين جديدة أو تعديل القائمة منها لتمكين الإصلاح.
وتوجيه الموارد والميزانيات نحو أولويات التغيير بدلا من تبديدها في إنفاق غير منتج وإصلاح مؤسسي يعالج البيروقراطية ويخلق أجهزة قادرة على التنفيذ ثم وضع آليات للتقييم والمساءلة تكافئ المنجزين وتحاسب المقصرين.
ثالثًا: نماذج تطبيقية
يقدم الواقع الدولي شواهد واضحة على مركزية الإرادة السياسية في صناعة التغيير:
🔸سنغافورة:
تحت قيادة لي كوان يو، تحولت من ميناء فقير إلى مركز مالي عالمي. اعتمدت القيادة على مكافحة صارمة للفساد، والاستثمار في التعليم، وبناء الإنسان، رغم السخرية التي واجهتها الرؤية في بدايتها.
🔸رواندا:
بعد مأساة الإبادة الجماعية عام 1994، أظهرت القيادة السياسية إرادة قوية لإعادة بناء الدولة وتحقيق المصالحة الوطنية. ونتيجة لذلك، تضاعف حجم الاقتصاد ثلاث مرات خلال 15 عامًا، وتحولت البلاد إلى نموذج إفريقي صاعد في التكنولوجيا والسياحة.
🔸دول الخليج:
تمثل “رؤية السعودية 2030” نموذجًا معاصرًا لإرادة سياسية تسعى لإعادة هيكلة الاقتصاد والمجتمع. كما شهدت الإمارات طفرة حضارية شاملة في الصناعة والطيران والطاقة والتكنولوجيا، بعد أن كانت تعتمد على أنشطة اقتصادية تقليدية محدودة، وينطبق الأمر – بدرجات متفاوتة – على بقية دول الخليج.
رابعًا: التحديات أمام الإرادة السياسية
رغم أهميتها، تواجه الإرادة السياسية عقبات متعددة، أبرزها:
🔸مصالح النخب الراسخة المستفيدة من الوضع القائم.
🔸الفساد الذي يقوض الثقة ويستنزف الموارد.
🔸القيود الهيكلية مثل اقتصادات الريع أو الديون الثقيلة.
🔸عدم الاستقرار السياسي والأمني.
🔸الجمود البيروقراطي ومقاومة الجهاز الإداري لأي تغيير.
خامسًا: الإرادة السياسية في العالم العربي
باستثناء بعض التجارب المحدودة، تعاني دول عربية عديدة من ضعف الإرادة السياسية نتيجة الاعتماد على الريع، وتغلغل الفساد، والاستقطاب السياسي، وضعف المجتمع المدني وقصور الأداء الإعلامي ، ما يقلل من الإرادة الشعبية ويحدّ من فرص الإصلاح الحقيقي.
خاتمة:
تحتل الإرادة السياسية موقع القلب في معادلة التغيير نحو الأفضل؛ فهي الشرارة التي تطلق مسار الإصلاح، والضامن لاستمراره. غير أنها ليست كافية بمفردها، إذ تحتاج إلى مؤسسات قوية، وبيئة داعمة، وقيادة واعية قادرة على تحويل القرار إلى واقع.
ويبقى السؤال الجوهري: كيف تتبللور هذه الإرادة في بيئة قد تكون عنها غائبة؟
والإجابة المختصرة: بالوعي؛ وعي المجتمع بحقوقه، ووعي النخب بمسؤولياتها، ووعي متخذ القرار بأن المستقبل يدار بالإرادة و التخطيط.









